كيف نُوَقّي الأطفال من العِناد واللجاجة؟ حلول بسيطة للوالدين
في السنوات الأولى من حياة الطفل، يُعَدّ العناد واللجاجة من أكثر السلوكيات التي تُثير قلق الوالدين، وتحمل في طيّاتها الكثير من الدلالات النفسية والتربوية. فكثيراً ما يُخطئ الأهل في تفسير هذا السلوك على أنّه تمرّد مقصود أو رغبة في التحدي، بينما في الحقيقة يكون ردّ فعل طبيعيّاً على أسلوب التعامل أو نبرة الحديث أو تجاهل احتياجات الطفل العاطفية. فالطفل لا يمتلك بعد المهارات اللغوية أو الانفعالية للتعبير عن غضبه أو رفضه، فيلجأ إلى العناد كوسيلة غير مباشرة للتواصل ولفت الانتباه. ومن هنا، فإنّ جوهر المشكلة لا يكمن في الطفل بقدر ما يرتبط بطريقة تفاعل الوالدين معه. إنّ اعتماد أساليب الحوار أكثر احتراماً لمشاعره، وإظهار التفهّم لاحتياجاته، وتبنّي نبرة هادئة ومتوازنة في التوجيه، يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في الحدّ من السلوكيات العنيدة. ومع قليل من الصبر والوعي، يستطيع الأهل أن يُحوّلوا مواقف الصراع اليومي إلى فرص للتقارب والنموّ العاطفي المتبادل.
وعندما يواجه الطفل أوامر صارمة، أو نقداً متكرراً، أو تجاهلاً لاحتياجاته العاطفية، قد يتخذ العناد شكلاً دفاعياً يبحث من خلاله عن السيطرة أو لفت الانتباه. وعلى العكس، فإنّ الوالدين اللذين يعتمدون الحوار الهادئ، ووضع الحدود الواضحة، وإعطاء الطفل مساحة للاختيار غالباً ما يلاحظون تراجع السلوك العنيد وتحوّله إلى تعاون أفضل. ومن هنا تأتي أهمية فهم الدور المحوري الذي يمارسه الأهل في تشكيل البيئة العاطفية التي ينمو فيها الطفل، بحيث تصبح بيئة تشجّع على التواصل الإيجابي بدلاً من الصراع اليومي.
وبناء عليه، قررنا أن نقدم لكم مقالا عن الطرق والسبل التي هي للتوقية من عناد الأطفال ولجاجتهم، ونبيّن لكم حلولا بسيطة يمكنكم الاستفادة منها.
ماذا يستخدم الأطفال اللجاجة والعناد؟
على الرغم من أنّ اللجاجة قد يُثير انزعاج الوالدين، ويخلق توتراً داخل الأسرة، فإنّ جذوره لا ترتبط أبداً بالرغبة في إزعاج الأهل، بل تنبع من حاجات نفسية وتربوية مرتبطة بتطور الطفل. ولفهم العناد، لا بدّ من النظر إليه كإشارة يرسلها الطفل؛ ليُعبّر عن شيءٍ يعجز عن قوله بوضوح.
في السنوات الأولى، يبدأ الطفل باختبار استقلاليته. إنّه يريد أن يشعر بأنّه قادر على اتخاذ قراراته، حتى لو كانت بسيطة مثل اختيار ثيابه أو طريقة لعبه. وعندما يمنع الأهل الطفل من اتخاذ هذه القرارات أو يفرضون عليه خيارات جاهزة، قد يلجأ إلى العناد للدفاع عن استقلاليته الناشئة.
أو عندما يشعر الطفل بأن احتياجاته العاطفية غير ملبّاة، كالحب والاهتمام والاحتضان، يلجأ أحياناً إلى العناد؛ لأنّه يضمن استجابة فورية من الأهل. حتى لو كانت الاستجابة سلبية، فإنّها بالنسبة إلى الطفل أفضل من التجاهل. عندما تكون القواعد كثيرة أو الطريقة في فرضها قاسية، قد يشعر الطفل بأنّه فقد السيطرة على عالمه الصغير. وبما أنّ السيطرة حاجة إنسانية أساسية، فإنّ الطفل يستخدم العناد؛ ليشعر بأنّ له دوراً وتأثيراً في محيطه، ولهذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «لا مركب أجمح من اللجّاج»(1).
الطرق والحلول للجاجة الأطفال
هناك الكثير من الطرق والحلول لمنع الأطفال من اللجاجة، لكن البعض من هذه الطرق، صعبة أو معقّدة؛ لهذا سنشير إلى الطرق السهلة للوالدين.
عدم تكرار الطلبات
هناك الكثير من الآباء والأمهات، عند مواجهة عدم استجابة أطفالهم، يلجؤون تلقائياً إلى سلوك متكرر وهو إعادة الطلب مراراً وتكراراً؛ ما يبدو للوهلة الأولى كحلٍّ منطقي، هو في الواقع أحد الأسباب الرئيسية لـعدم انتباه الطفل وترسيخ سلوك خاطئ. ولفهم العناد والتعامل معه بفعالية، علينا أن ندرك لماذا يُعدّ التكرار المفرط ضاراً، وما هي البدائل الفعّالة؟
وعندما يسمع الطفل نداء الأب أو الأم عدة مرات، ولا يستجيب إلا بعد المرة الثالثة أو الرابعة، يتلقى عقله رسالة مفادها: «لست مضطراً للاستماع من المرة الأولى، ما زال لدي وقت». وبهذه الطريقة، يصبح عدم الاستجابة للطلب الأولي نمطاً سلوكياً ثابتاً، وكلما تكرر الطلب أصبح الوالد أكثر إرهاقاً وعصبية. وهذا يؤدي في النهاية إلى الصراخ أو ردود فعل حادة، مما يؤثر سلباً على علاقة الوالد بالطفل؛ ولهذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «اللَّجَاجُ بَذْرُ الشَّرِّ. جِمَاعُ الشَّرِّ اللَّجَاجُ، وَكَثْرَةُ الْمُمَارَاةِ.»(2).
والطرق البديلة لتكرار الطلبات هي أولا بناء تواصل بصري. وقبل تقديم الطلب، اقترب من الطفل، واجلس على مستوى عينيه، وقل: «أريدك أن تنظر إليّ الآن»، ثم قدم طلبك بوضوح وإيجاز. ثانيا استخدام عواقب واضحة وغير مهددة. بعد تقديم الطلب مرة واحدة، على سبيل المثال قل له: «إذا لم نجهز طاولة الطعام خلال خمس دقائق، فإنّ وقت اللعب الخاص بك سيقل.» ثالثا استخدام الاختيارات المحدودة، وهذه الطريقة تعزز شعور الطفل بالتحكم، على سبيل المثال قل له: « هل تفضل أن تجمع ألعابك أولاً أم أن ترتب كتبك؟»
استخدام نبرة الحوار لا الأمر
عندما يسمع الطفل صيغة الأمر، غالباً ما يشعر بأنّ حريته مهددة، وأنّ هناك قوة مفروضة عليه. وهذا الشعور يولد في داخله رغبة طبيعية في المقاومة، وهي بداية العناد، ويصبح الرفض آلية دفاعية لحماية استقلاليته.
فيمكنكم استخدام طرق بديلة عن الأوامر، مثل استخدام الجمل اخبرية، فعلى سبيل المثال يقال له: «حان وقت ارتداء الملابس للذهاب إلى الحديقة». هذه الجملة تخبر الطفل بالوضع الحالي والهدف، مما يمنحه معلومة بدلاً من أمر مباشر، أو مثل استخدام الجمل الاستفهامية، مثلا بدلاً من أن تقولوا له: «اذهب، ونظّف غرفتك»، يمكنكم أن تقولوا: «هل أنت مستعد لتنظيف غرفتك الآن، أم تفضل أن نبدأ بعد 10 دقائق؟» وهذا يمنح الطفل شعوراً بالتحكم من خلال الاختيار، مع التأكيد على ضرورة إنجاز المهمة.
عدم الملامة واستخدام لغة التعاطف
في معظم الأحيان نجد أنفسنا، في خضم تربية الأطفال، نلجأ إلى كلمات قد تبدو عابرة، ولكنها تحمل ثقلاً كبيرًا مثل اللوم وإلصاق الصفات السلبية، وفي الواقع والحقيقة هي جارحة لمشاعره، مثل أنت كسول! أو لماذا أنت دائمًا هكذا؟ عندما يُلام الطفل، قد يشعر بأنّ الحكم عليه غير عادل، خاصة إذا لم يفهم سبب اللوم بشكل كامل، أو إذا كان يعتقد أنّ تصرفاته كانت مبررة من وجهة نظره. وهذا الشعور بالظلم يولد بداخله غضبًا مكبوتًا؛ لذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «الإفراط في الملامة يشب نيران اللجاج، وكم من دنف قد نجى، وصحيح قد هوى!»(3).
والبدائل الفعالة للؤم هي أولا وصف المشاعر والاحتياجات دلاً من أن تقول: «توقف عن البكاء، هذا سخيف»، ولكن قل: «أرى أنّك تشعر بالحزن أو الغضب الآن، هل يمكنك أن تخبرني ما الذي جعلك تشعر هكذا؟». ثانيا استخدام أنا بدلًا من أنت في صياغة المشكلة، على سبيل المثال بدلا أن تقول: «لقد أزعجتني عندما رميت ألعابك»، قل: «أشعر بالضيق عندما أرى الألعاب مبعثرة على الأرض؛ لأنّ هذا يزيد من الفوضى ويجعل التنظيف أصعب». ثالثا وضع توقعات واضحة وعواقب منطقية، فالتواصل الواضح حول ما هو متوقع، وربط السلوك بالنتيجة بشكل منطقي، هو أكثر فعالية من اللوم.
إعطاء قوة الاختيار للأطفال
ندما يُتاح للطفل فرصة اتخاذ قرار، حتى لو كان صغيرًا، فإنّه يشعر بأنه قادر على التأثير في محيطه، وهذا الشعور بالسيطرة يعزز إحساسه بالكفاءة، وأنّه شخص له دور وقيمة، وليس مجرد تابع للأوامر. وعندما يتمكن الطفل من اتخاذ قرار والتعامل مع نتائجه (سواء كانت إيجابية أو سلبية)، تزداد ثقته بقدراته، ويدرك أنّه قادر على التعامل مع المواقف، وهذا يرفع من تقديره لذاته بشكل كبير.
والمفتاح هنا هو تقديم خيارات ضمن نطاق محدد ومقبول من قبل الوالدين. والهدف ليس ترك الطفل يتخذ قرارات عشوائية، بل توجيهه نحو خيارات صحيحة مع إعطائه شعوراً بالاستقلالية، مثلا بدلاً من أن تقول له: «يجب أن تأكل ما أعددته لك»، قل: «هل تفضل تناول الخيار أم الجزر مع وجبتك؟ أو هل تريد شرب الماء أم الحليب الآن؟»
ومنح الطفل حق الاختيار ليس مجرد أداة لتقليل العناد، بل هو استثمار أساسي في تنشئته كفرد مستقل، واثق بنفسه، وقادر على اتخاذ قرارات مسؤولة. وعندما نشعر الطفل بأنّ صوته مسموع وأنّ لرأيه قيمة، وتثمن تصرفاته وسلوكه، فإنّنا نبني معه علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، ونمهّد الطريق لمستقبل مشرق يعتمد على قدرته على الاختيار والتكيف.
وهذه كانت جملة من أسباب لجاجة الأطفال وطرق معالجته أو الوقاية منها. أتمنى أنّكم استفدتم منها.
1) غرر الحكم (لعبد الواحد التميمي الآمدي) / المجلد: 1 / الصفحة: 781 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – قم / الطبعة: 2.
2) غرر الحكم (لعبد الواحد التميمي الآمدي) / المجلد: 1 / الصفحة: 463 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – قم / الطبعة: 2.
3) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 84 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي-قم / الطبعة: 2.


