كيف نتعامل مع خوف الأطفال من الظلام؟

للأجابة على هذا السؤال وهو من المباحث المهمة في حياتنا الأسرية ينبغي الالتفات إلى عدة أمور، وهي:

فهم الخوف واحتواء مشاعر الطفل

الخوف لدى الطفل ظاهرة طبيعية معتادة، بل يمكن القول أنّه من أولى اللغات الفطرية التي يعبّر بها عن حاجاته قبل أن يتعلم الحروف والكلمات. فالطفل حين يتسع بصره فجأة أو يتمسّك بيد أمه أو أبيه، إنّما يهمس بلغة القلب: «أريد أن أشعر بالأمان».
والخوف في حقيقته جرس إنذار يحمي الإنسان، فهو ينبه الجسد، ويوقظ الحذر؛ ولهذا فإنّ وجود قدر من الخوف عند الطفل ليس أمراً مقلقاً في حد ذاته، بل هو جزء من نموه النفسي، لكن ما يحتاجه الطفل هو أن يجد إلى جانبه قلباً حانياً يفهم خوفه ويطمئنه، لا أن يستهين به أو يسخر منه.
ومن جميل ما يلفت إليه القرآن الكريم حاجة الإنسان العميقة إلى الطمأنينة والأمان؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(1)، فالقلب البشري -صغيراً كان أو كبيراً- يبحث بطبيعته عن السكينة والاطمئنان. وإذا كان الطفل في سنواته الأولى لا يزال يتعلم كيف يواجه مخاوفه، فإنّ حضور الأبوين المطمئن وكلمات الطمأنة الحانية تساعده على استعادة هذا الشعور بالأمان؛ ليهدأ قلبه، ويشعر بأن العالم من حوله مكان يمكن الوثوق به.
ومن المواقف التي يظهر فيها هذا الخوف بوضوح: لحظات الوداع الأولى عند باب المدرسة، أو حين تهدر السماء بالرعد وتلمع بالبروق، أو حين يحل الظلام فجأة في البيت، ففي تلك اللحظات قد ترتجف أطراف الطفل، وكأنه يسأل بعينيه: «هل أنا بأمان؟».

الخوف من الظلام عند الأطفال

الظلام بالنسبة إلى الطفل يعني «عدم الرؤية»، وبالتالي «فقدان الشعور بالأمان». فالطفل يعتمد كثيراً على ما يراه؛ ليشعر بالطمأنينة، وعندما يختفي الضوء فجأة يتسع مجال الخيال في ذهنه.
وقد يتخيل الطفل في الظلام أصواتاً أو أشكالاً غير موجودة، فيرى الظل مخلوقاً مخيفاً، أو يتصور أن تحت السرير شخصاً غريباً، أو أن خلف الباب شيئاً يترصده. وهنا يتداخل الخيال مع الواقع؛ لأنّ الطفل في سنواته الأولى لا يميّز بسهولة بين الحقيقة والوهم.
وفي بعض الأحيان ينشأ هذا الخوف من تجربة بسيطة، فمشهد في فيلم، أو قصة مخيفة سمعها، أو حتى كلمة عابرة من أحد الكبار قد تزرع في ذهنه صورة تبقى معه فترة طويلة؛ لذلك من المهم أن ينتبه الوالدان إلى ما يشاهده الطفل وما يسمعه، لأنّ خيال الطفل خصب وقادر على تضخيم التفاصيل الصغيرة.
كما أنّ خوف الوالدين أنفسهم قد ينتقل إلى الطفل دون قصد، فحين يرى الطفل القلق في وجه أمه أو الارتباك في تصرفات أبيه أثناء موقف ما، يتعلم أنّ ذلك الموقف مخيف بالفعل.

ملامح الخوف في سلوك الطفل

الخوف لا يبقى ساكناً في داخل الطفل، بل يظهر في سلوكه ولغة جسده. فقد ترتعش يداه، أو يتسارع نبض قلبه، أو يبكي، ويصرخ، أو يتشبث بوالديه بشدة.
وأحياناً يظهر الخوف في صور أخرى، مثل: الكوابيس الليلية، أو التبول اللاإرادي، أو تجنب مواقف معينة يشعر فيها بعدم الأمان. وفي مثل هذه اللحظات لا يحتاج الطفل إلى توبيخ أو تعنيف، بل إلى حضن دافئ وأذن صاغية تستمع إليه.

الخوف الطبيعي والخوف الضار

ليس كل خوف شراً، فهناك خوف طبيعي نافع يحمي الطفل من الأخطار، مثل: خوفه من الاقتراب من الكهرباء، أو من الطريق المزدحم بالسيارات. وهذا النوع من الخوف مؤقت، ويتناسب مع الموقف؛ ولذلك يساعد الطفل على تعلم الحذر.
وقد أرشد أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام إلى طريقة حكيمة في التعامل مع الخوف حين قال: «إِذَا هِبتَ أَمْرًا (أي: خِفتَ مِنه)، فَقَعْ فِيهِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ.» أي إنّ الإنسان كثيراً ما يضخم الشيء الذي يخافه عندما يهرب منه أو يبالغ في تجنبه، بينما تساعد المواجهة الهادئة والمدروسة على اكتشاف أن الأمر أبسط مما تصور. وهذا المعنى مهم في تربية الأطفال، فبدلاً من تعزيز الهروب من المواقف المخيفة، يمكن للوالدين أن يساعدا الطفل بلطف على الاقتراب منها تدريجياً، حتى يكتشف بنفسه أنّ خوفه يمكن تجاوزه.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الخوف إلى حالة دائمة ومبالغ فيها. فحين يسيطر الخوف على الطفل باستمرار، قد يضعف ثقته بنفسه، ويجعله يميل إلى الانسحاب والانطواء، وربما يؤثر في نومه ودراسته وسلوكه.
وبناء على ما تقدم، فإنّ دور الوالدين والمربين هو أن يساعدوا الطفل على فهم خوفه والتعامل معه، حتى يبقى الخوف حارساً يحميه لا سجّاناً يقيّد حياته.

كيف نتعامل مع خوف الطفل من الظلام؟

عندما يخاف الطفل من الظلام، لا ينبغي أن نتعامل مع الأمر على أنّه ضعف أو دلع، بل علينا أن نراه رسالة تحتاج إلى فهم واحتواء. ومن خلال بعض الخطوات البسيطة يمكن تحويل هذه اللحظات المقلقة إلى فرص لبناء الثقة والشجاعة في قلب الطفل.

بطلات وأبطال الظلام

في ليالي انقطاع الكهرباء أو عند إطفاء الأنوار، قد يشعر الطفل بأنّ البيت أصبح مكاناً غامضاً ومهدِّداً. وهنا تقع على عاتق الوالدين مهمة تحويل الأجواء من حالة مخيفة إلى حالة يشعر فيها الطفل بالأمان وأنّ كل شيء تحت السيطرة.
وحين يرى الطفل أنّ والديه يتعاملان مع الظلام بهدوء وثقة، يبدأ هو أيضاً في اكتساب هذا الشعور تدريجياً.

ابنوا قلعة آمنة

بدلاً من ترك الطفل في مساحة البيت الواسعة والمفتوحة، يمكنكم أن تصنعوا له «ملجأً صغيراً» من البطانيات والوسائد.
فالمساحات الصغيرة والمغلقة تمنح الإنسان -وخاصة الطفل- شعوراً أكبر بالأمان من الناحية النفسية؛ لأنّها تقلل الإحساس بالغموض في البيئة المحيطة. ويمكن أن تتحول هذه الزاوية الصغيرة إلى «قلعة آمنة» يجلس فيها الطفل مع والديه، فيشعر بأنّ العالم الخارجي لم يعد مخيفاً.

حكي يا راوي الحكاية

في الصمت والظلام تصبح الأصوات المحيطة أكثر وضوحاً، وقد تبدو للطفل مخيفة: صوت الريح، أو صوت شيء يتحرك في الخارج، أو حتى أصوات بعيدة لا يعرف مصدرها؛ لذلك من المفيد تشغيل قصة صوتية هادئة أو موسيقى لطيفة سبق تحميلها، أو أن يجلس أحد الوالدين إلى جانب الطفل، ويحكي أحدهما له قصة. وعندما ينشغل ذهن الطفل بخيط القصة، يتوقف عن تحليل الأصوات الغامضة من حوله، ويتحول تركيزه إلى عالم الحكاية الآمن.

العبوا مع الظلال

يمكن أيضاً تحويل الظلام إلى فرصة للعب بدلاً من أن يكون سبباً للخوف، وذلك من خلال استخدام ضوء خفيف من مصباح يدوي، يمكن صنع أشكال بسيطة على الجدار باليدين، كأنّ تتحول الظلال إلى طيور أو حيوانات لطيفة. والأفضل أن يُسمح للطفل بأن يمسك بالمصباح بنفسه، ويجرب صنع الأشكال.
فعندما يشعر الطفل أنّه يملك السيطرة على مصدر الضوء، يتراجع خوفه من الظلام بشكل ملحوظ، ويتحول الموقف كله إلى لعبة ممتعة.

حوّلوا الخوف إلى مسؤولية

أحياناً يكون أفضل علاج للخوف هو منح الطفل دوراً يشعره بالأهمية، فبدلاً من أن نراه مجرد طفل يحتاج إلى الحماية، يمكن أن نعطيه مهمة صغيرة، كأن نسلمه مصباحاً صغيراً أو سواراً مضيئاً ،ونقول له: «الليلة أنت حارس نور البيت. مهمتك أن تحافظ على هذا الضوء؛ ليضيء الطريق لنا.»
هذا النوع من المسؤوليات البسيطة يزرع في نفس الطفل شعوراً بالقوة والقدرة، ويقلل من شعوره بالعجز الذي يغذي الخوف.

استخدموا تقنية «النفخة السحرية»

عندما يخاف الطفل قد يتوتر جسده، ويضطرب تنفسه؛ لذلك يمكن استخدام طريقة بسيطة تساعده على الاسترخاء.
فاطلبوا من الطفل أن يتخيل أنّه يمسك في يده دوّارة صغيرة أو زهرة هندباء، وأنّ عليه أن يجعلها تدور بنفخات قصيرة ومنتظمة، فهذه العملية تشبه تمرين التنفس، لكنها تقدم للطفل في صورة لعبة ممتعة.
ومع تكرار هذه النفخات يهدأ تنفسه تدريجياً، ويبدأ التوتر في جسده بالانخفاض دون أن يشعر بأنّه يقوم بتمرين علاجي.

تجنبوا التربية بالتخويف

ومن الأخطاء الشائعة استخدام التخويف كوسيلة لتربية الطفل، مثل: تهديده بمخلوقات خيالية، أو بشخصيات مخيفة لإجباره على الطاعة، فهذه الأساليب قد تنجح مؤقتاً، لكنها تزرع في داخله خوفاً عميقاً يصعب التخلص منه لاحقاً.
وينبغي أيضا الانتباه إلى الكلمات التي تقال أمام الطفل أو القصص التي يسمعها؛ لأنّ بعض المصطلحات الشعبية المخيفة قد تتحول في خياله إلى كائنات حقيقية.
والطفل يحتاج إلى بيئة آمنة يشعر فيها بأنّ الكبار حوله مصدر طمأنينة لا مصدر رعب.


1.    سورة الرعد / الآية : 28.
2.    نهج البلاغه / صبحي صالح / الصفحة : 501 / الحکمة : 175.
 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة