علامات الصائم الحقيقي في الخطبة الشعبانية
شهر رمضان المبارك ميدان روحيّ يتجلّى فيه صفاء النفس وقوة الإيمان، وموسم ربّانيّ أكرم الله به عباده ليرتفعوا من مراتب الطاعة الظاهرة إلى مقامات التقوى الباطنة. ولقد مَهّد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لاستقبال هذا الشهر بخطبة جامعة تُعرف بـالخطبة الشعبانية، التي ألقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر شهر شعبان، فبيّن فيها عظمة شهر رمضان المبارك وفضائل الصيام وآدابه، ودعا المؤمنين إلى إعداد نفوسهم لاستقبال ضيفٍ كريمٍ يتنزّل فيه الرحمة والمغفرة والبركة.
ومن أبرز محاور هذه الخطبة النبوية العظيمة بيان صفات الصائم الحقيقي؛ أي المسلم الذي لا يقف عند حدود الجوع والعطش، بل يجعل من الصوم مدرسةً لتزكية النفس وإصلاح القلب والجوارح، حتى يصير صومه عبادةً شاملةً تُهذّب الخُلق وتقرّبه من الله تعالى. فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتفِ بذكر الأحكام الفرعية للصيام، بل أراد أن يُوجّه أمّته إلى جوهر العبادة وروحها، مبيِّناً أن الامتناع عن الطعام والشراب لا يُثمر ثماره الإيمانية ما لم يصحبه صوم اللسان والقلب والعين والعمل عن كل ما يُسخط الله. لهذا بدأ صلى الله عليه وآله وسلم خطبته بهذا النحو كما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « خطبنا ذات يوم فقال: أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات » (1).
فلنراجع هذه الخطبة كي نعرف علامات الصائم الحقيقي من كلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المبارك.
شهر رمضان ضيافة الله ومدرسة التربية الإلهية
قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول شهر رمضان المبارك: « هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله » (2).
إذا نزل بكم ضيف، ولا سيّما ضيفٌ كنتم أنتم قد دعوتموه، فكيف تتعاملون معه؟ ألا تحرصون ما استطعتم على إكرامه، وإسكانه في أفضل غرفة في المنزل وأشرف مكان فيه؟ ألا تسعون إلى أن تستعملوا في استقباله أرقى ما لديكم من لوازم، وأنفس ما تملكون من أمتعة، وأجود وأطيب ما يتوافر عندكم من أطعمة؟ لا شكّ أنّ كلَّ إنسانٍ ما دام باقياً على فطرته الإنسانيّة يتعامل مع ضيفه تعاملاً كريماً، ويسلك معه سلوكاً متواضعاً، ويحرص على إكرامه.
فلن يُستثنى الله تبارك وتعالى من هذه القاعدة، وهو الذي بحسب ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يكون في شهر رمضان مُضيفاً للمؤمنين، ويكون المؤمنون ضيوفه. إن الضيافة في شهر رمضان المبارك ليست مكانية، بل حالة وجودية؛ يدخل فيها الإنسان في أجواء القرب، فيعيش تجربة انتقال من الاعتياد إلى القداسة، ومن الغفلة إلى اليقظة. لهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حول هذا الشهر العظيم: « أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب » (3). هكذا يتفضّل الله تبارك وتعالى على ضيوفه المؤمنين، فنِعمَ المضيفُ هو، وعلينا أن نغتنم هذه الفرصة.
النيات الصادقة أساس قبول الأعمال
إنّ قيمة العمل بنيته. ومن أشهر كلمات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول الإخلاص والنية: « إنما الأعمال بالنيات ولكل امرى، ما نوى » (4). العمل قد يكون صحيحاً في ظاهره، لكن إن شابه رياءٌ أو طلبُ ثناءٍ، نقص أجره أو بطل أثره. الإخلاص يعني أن يكون الدافع الأوّل والأخير هو طلب رضا الله، لا مدح الناس ولا مكسب الدنيا. لهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته للمؤمنين: « فسلوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه » (5).
قد يصوم إنسانٌ ويجوع، ويقوم ويَسهر، لكن بلا حضور قلب. وقد يصوم آخر بنيّة صادقة، فيتحوّل صمته ذكراً، ونومه عبادة، وتعبه رفعة. وفي الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين عليهم السلام علامات للمخلصين. فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « أما علامة المخلص فأربعة: يسلم قلبه وتسلم جوارحه، وبذل خيره، وكف شره » (6).
أهمية صوم اللسان
ورد في الخطبة الشعبانية توجيهٌ صريح إلى ضبط اللسان، ومن عباراتها المشهورة: « واحفظوا ألسنتكم ... ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه » (7). أنّ الصوم ليس جسدياً فقط. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتصر على ذكر الجوع والعطش، بل نبّه إلى صيانة اللسان. ولهذا أكّدت الشريعة الإسلامية على صوم اللسان. فقد روي عن فاطمة الزهراء سلام الله عليها: « ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه » (8). بل العجيب أنّ صيام اللسان أهمّ من صيام البطن وتحمل الجوع. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « صوم القلب خير من صيام اللّسان وصوم اللّسان خير من صيام البطن » (9).
صومُ العينِ والأُذن؛ عبادةُ العصر في زمن الشاشات
لم يعد الصيام اليوم مقتصراً على ضبط الطعام والشراب؛ ففي زمن الإعلام المفتوح والهواتف الذكية، أصبح صوم العين والأذن ضرورةً تربوية وروحية. فالعينُ بابُ القلب، والأذنُ ممرُّ المعاني إليه، وما يدخل منهما يترك أثراً في الفكر والمشاعر والسلوك. وإذا كان الصوم يهدف إلى تحقيق التقوى، فإنّ ضبط النظر والسمع جزءٌ أساسيّ من هذا الطريق. وفي هذا قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته: « وغضوا عما لايحل النظر إليه أبصاركم ، وعما لايحل الاستماع إليه أسماعكم » (10). وقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « الصيام اجتناب المحارم كما يمتنع الرجل من الطعام والشراب » (11).
الهاتف المحمول اليوم نافذةٌ مفتوحة على العالم؛ فيه الخير الكثير، لكن فيه أيضاً ما يُشتّت القلب ويستهلك الوقت ويُفسد الذوق. ومن مخاطره التصفّح اللانهائي بلا هدف ومتابعة محتويات تافهة أو محرّمة والاعتياد على الضجيج الدائم الذي يمنع الخلوة مع الله.
والذي يلفت النظر، ما سأله أميرالمؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وسط الخطبة: « قال أميرالمؤمنين: فقمت فقلت: يا رسول الله! ما أفضل الاعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزوجل » (12).
البعد الاجتماعي في الصوم
لا يُراد للصوم أن يكون عبادةً فرديةً معزولة عن واقع الناس، بل هو مدرسةٌ لإحياء الضمير الاجتماعي، وبناء روح التكافل، وتوسيع دائرة الرحمة. فإذا كان الجوع يُذكّر الصائم بحاجته إلى الله، فإنه في الوقت نفسه يُذكّره بحاجات الفقراء والمحرومين. ومن هنا يتجلّى البُعد الاجتماعي للصوم بوصفه جزءاً أصيلاً من فلسفة رمضان. لهذا قال النبي صلى الله عليه وآله في خطبته: « وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم... أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازا على الصراط يوم تزل فيه الاقدام ، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه ، خفف الله عليه حسابه ، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه ، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه ، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه ، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه » (13).
هذه كانت توضيح جملة من كلام توصيفات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لشهر رمضان المبارك.
1) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 356 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
2) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 356 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
3) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 356 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
4) تهذيب الأحكام (للشيخ الطوسي) / المجلد: 4 / الصفحة: 186 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران – الطبعة: 4.
5) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 356 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
6) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 21 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
7) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 357 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
8) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 259 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
9) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبد الواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 424 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
10) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 259 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
11) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 294 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
12) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 358 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
13) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 96 / الصفحة: 356 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.




