إقامة المجالس في الشقق السكنية

تعدّ المجالس والهيئات الحسينية من أهم الوسائل التي أسهمت عبر التاريخ في حفظ رسالة أهل البيت عليهم السلام وإحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام ونشر قيمه ومبادئه في المجتمع ونقلها إلى الأجيال. وقد كانت هذه المجالس ولا تزال منابر للتربية الإيمانية وتثقيف المؤمنين، حيث يجتمع الناس فيها على الذكر والعلم والمحبة والتعاون على الخير. ويكفي في بيان أهمية هذه المجالس، ما قاله الإمام الصادق عليه السلام لفُضيل: « تجلسون وتحدّثون؟ قال: نعم، جعلت فداك. قال: إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل، من ذَكرنا ـ أو ذُكرنا عنده ـ فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر »(1).
ومع التغيرات العمرانية التي شهدتها المدن في العصر الحديث، وانتقال نسبة كبيرة من السكان إلى السكن في المجمعات والشقق السكنية، برزت تحديات جديدة أمام إقامة الهيئات الدينية والمجالس الحسينية. فالمباني السكنية المشتركة تفرض نمطًا خاصًا من الحياة تقوم على التعايش بين عدد كبير من الأسر ضمن مساحة محدودة؛ مما يجعل مراعاة حقوق الآخرين واحترام الأنظمة المشتركة ضرورة لا يمكن تجاهلها. ومن هنا أصبح نجاح إقامة الهيئة الحسينية في البيئة السكنية الحديثة مرتبطًا بقدرتها على التوفيق بين أداء الشعائر الدينية وتحقيق أهدافها التربوية من جهة، وبين المحافظة على راحة السكان واحترام حقوق الجيران من جهة أخرى؛ لهذا من الضروري أن نعرف كيفية نوّفق في إقامة المجالس في الشقق السكنية.

وجوب احترام حقوق الناس

لا يمكن لأيّ شخص يدّعي الاتباع من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام والانتماء إليهم أن لا يبالي بالآخرين، ولا يحترم الراحة والسكينة لهم، ويفعل ما يزعجهم. إنّ الإسلام الذي دعا إلى إحياء الشعائر وتعظيم مناسبات أهل البيت عليهم السلام، أكد في الوقت نفسه على حرمة إيذاء الجار، وحثّ على حسن المعاشرة، والالتزام بالنظام، واحترام الحقوق العامة. فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «من آذى مؤمنا، فقد آذاني، ومن آذاني، فقد آذى الله عز وجل، ومن آذى الله، فهو ملعون في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان»(2). وأيضا روي عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «أَعْرَفُ النَّاسِ لِحُقُوقِ إِخْوَانِهِ وَأَشَدُّهُمْ قَضَاءً لَهَا أَعْظَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ شَأْنا.ً وَمَنْ تَوَاضَعَ فِي الدُّنْيَا لِإِخْوَانِهِ، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَمِنْ شِيعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَقّاً»(3).
ولذلك فإن إقامة الهيئة في الشقق السكنية لا ينبغي أن تكون سببًا للإزعاج أو الفوضى أو الإضرار الأماكن المشتركة، بل ينبغي أن تكون نموذجًا عمليًا للأخلاق الإسلامية التي تجمع بين العبادة والانضباط، وبين إحياء الدين وخدمة المجتمع.

تعيين الساعة للبدأ والانتهاء

إعلان موعد بدء المجلس يساعد المشاركين على تنظيم أوقاتهم والاستعداد للحضور، كما يرسخ قيمة احترام الوقت لدى الجميع. وعندما يعلم السكان والجيران أن المجلس سيبدأ في ساعة محددة، وينتهي في ساعة محددة، فإنّ ذلك يبعث في نفوسهم الطمأنينة، ويمنع الشعور بالانزعاج أو القلق من امتداد النشاط إلى ساعات متأخرة من الليل. 
ومن الجوانب والأبعاد الإيجابية لتحديد الوقت أن ذلك يدفع القائمين على الهيئة إلى إعداد برنامج متوازن ومركز، بحيث يتم توزيع فقرات المجلس من تلاوة القرآن الكريم، أو المحاضرة، أو قراءة المصيبة، أو الدعاء بصورة مدروسة تمنع الهدر الزمني والتكرار غير الضروري. كما يساعد الخطباء والرواديد والمنظمين على الالتزام بالمدة المخصصة لكل فقرة، مما يضفي على المجلس مزيدًا من الجدية والترتيب.

إبلاغ الجيران بصورة محترمة

الإخبار المسبق عن إقامة المجلس يُعدّ من مظاهر حسن الجوار والذوق الاجتماعي؛ لأنّه يمنح السكان فرصة التعرف إلى البرنامج المزمع إقامته، والاستعداد لأي حركة إضافية قد يشهدها المبنى خلال فترة انعقاد المجلس. كما أن هذا الإجراء يعكس احترام القائمين على الهيئة لحقوق الآخرين وحرصهم على بناء أجواء من التفاهم والثقة المتبادلة.
ومن المهم أن يكون أسلوب الإبلاغ قائمًا على الدعوة الودية لا على فرض الحضور أو إشعار الآخرين بأنّهم ملزمون بالمشاركة. فالمجالس الحسينية تقوم على المحبة، والأخوة، والتماسك، والاقتناع، والرغبة الذاتية، فكلما كان الخطاب أكثر احترامًا لحرية الأفراد وخياراتهم، كان أكثر تأثيرًا وقبولًا؛ ولذلك ينبغي أن تتضمن الدعوات عبارات الترحيب والتقدير، مع التأكيد على أن المشاركة متروكة لرغبة كل شخص وظروفه الخاصة.

مراعاة الصوت المناسب

تتميز الحياة في الشقق السكنية بقرب الوحدات السكنية من بعضها الآخر، وتشابك المساحات المشتركة، الأمر الذي يجعل أي صوت مرتفع أو نشاط غير منضبط مؤثرًا بصورة مباشرة في راحة السكان؛ ولذلك فإنّ مراعاة مستوى الصوت ليست مجرد مسألة تنظيمية، بل هي التزام أخلاقي وديني يعكس حقيقة الالتزام بتعاليم الإسلام، ويقتضي ذلك تجنب رفع أصوات مكبرات الصوت إلى مستويات تتجاوز حاجة الحضور داخل المجلس، خصوصًا في الأبنية السكنية التي تنتقل فيها الأصوات بسهولة بين الشقق والطوابق المختلفة. كما يُستحسن الاعتماد على وسائل صوتية معتدلة تضمن وضوح الصوت للمشاركين دون أن تمتد آثاره إلى خارج نطاق المكان المخصص للمجلس.

توزيع المسؤوليات بين الأفراد

إنّ إقامة الهيئة الحسينية في البيئة السكنية المشتركة ليست مسؤولية فرد واحد، بل هي عمل جماعي يحتاج إلى تعاون وتكامل جهود جميع الراغبين في خدمة الشعائر الدينية. المهام المرتبطة بإقامة المجلس متعددة ومتنوعة، وتشمل التنسيق مع السكان، وإعداد المكان، وتنظيم الحضور، واستقبال الضيوف، والإشراف على النظافة، وإدارة البرامج، ومتابعة الجوانب الفنية والخدمية. وعندما يتم توزيع هذه المسؤوليات بصورة واضحة ومنظمة، يشعر الجميع بأّنهم جميعا شركاء في إنجاح الهيئة، مما يعزز روح الانتماء والتعاون بين سكان المبنى.
كما أنّ إشراك مختلف الفئات العمرية في الأعمال التنظيمية يساهم في بناء مجتمع متماسك ومتعاون. فالشباب يمتلكون عادةً النشاط والحيوية والقدرة على تنفيذ الأعمال الميدانية والتنظيمية، بينما يتمتع كبار السن بخبرة واسعة وحكمة متراكمة اكتسبوها من سنوات طويلة من المشاركة في الأنشطة الدينية والاجتماعية.

وضع برنامج للأطفال

إن الطفل بطبيعته يمتلك طاقة وحيوية وحبًا للاكتشاف؛ ولذلك قد يجد صعوبة في متابعة البرامج الطويلة الموجهة للكبار. وإذا لم تُراعَ هذه الحقيقة فقد يشعر بالملل أو ينشغل بأمور أخرى تقلل من استفادته من أجواء المجلس. أمّا عندما يتم إعداد برامج مناسبة لعمره، فإنّه يشارك بحماس ويتفاعل بصورة إيجابية مع المضامين الدينية والتربوية التي تقدم له.
ويمكن أن تشمل هذه البرامج سرد القصص المرتبطة بسيرة الأنبياء والأئمة عليهم السلام، والمسابقات الثقافية المبسطة، والأنشطة التعليمية والترفيهية الهادفة، وحفظ الأناشيد أو الأدعية القصيرة، إضافة إلى ورش الرسم والأعمال اليدوية التي تعزز ارتباط الأطفال بالمناسبات الدينية بطريقة محببة وقريبة إلى نفوسهم. فالتعليم الممزوج بالمتعة يُعدّ من أنجح الوسائل التربوية في هذه المرحلة العمرية.

الاستفادة من المساحات المشتركة

إنّ الأصل في المساحات المشتركة أنّها مخصصة لخدمة جميع الساكنين في المبنى؛ ولذلك لا يجوز التعامل معها وكأنّها ملك خاص لفئة معينة أو جهة محددة. ومن هنا فإنّ إقامة أي نشاط فيها ينبغي أن تتم بالتنسيق المسبق مع إدارة المبنى أو مع السكان وفق الأنظمة المتبعة، بما يضمن تحقيق التفاهم والرضا العام ويمنع وقوع الخلافات أو سوء الفهم.
ومن أهم مظاهر احترام الحقوق المشتركة عدم احتلال الممرات أو المداخل أو أماكن الحركة العامة بطريقة تعيق تنقل السكان أو تؤثر في استفادتهم من الخدمات الأساسية داخل المبنى. كما ينبغي الحرص على إبقاء مخارج الطوارئ والممرات خالية من العوائق، والمحافظة على سلامة الجميع أثناء انعقاد المراسم.
ومن الجوانب المهمة أيضًا مراعاة أوقات استخدام هذه المساحات، بحيث لا يؤدي النشاط المقام فيها إلى حرمان الآخرين من الاستفادة منها لفترات طويلة أو في أوقات يحتاجون إليها؛ ولهذا يُستحسن تحديد مدة زمنية واضحة للفعالية والالتزام بها، بما يحقق التوازن بين حق إقامة النشاط الديني وحق بقية السكان في الانتفاع بالمساحات المشتركة.
ومن المفيد أيضًا أن يشارك عدد من سكان المبنى في تنظيم استخدام المساحات المشتركة والإشراف عليها أثناء انعقاد الهيئة وإقامة المجلس، لضمان حسن إدارة المكان والمحافظة على النظام والسلامة والنظافة. فالمسؤولية المشتركة تسهم في نجاح الفعالية وتمنع حدوث المشكلات أو التجاوزات.

 

 

1) قرب الإسناد / لأبي العباس الحميري / المجلد: 1 / الصفحة: 36 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
2) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 67 / الصفحة: 72 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) تنبيه الخواطر / لورام بن أبي فراس / المجلد: 2 / الصفحة: 107 / الطبع: مكتبة الفقيه – قم.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة