الأساليب الحسينية في تربية الأبناء
لم يكن الإمام الحسين عليه السلام قائداً، ومصلحاً، وثائراً في وجه الظلم فحسب، بل كان أيضاً أباً حنوناً، وزوجاً كريماً، ومربياً واعياً، وصاحب رؤية متكاملة في إدارة شؤون الأسرة وبناء العلاقات الأسرية السليمة. فقد جسّد في حياته اليومية أسمى معاني الرحمة والاهتمام بأفراد عائلته، وربّى أبناءه على الإيمان والكرامة والشجاعة، وغرس في نفوسهم قيم المسؤولية والالتزام بالحق، حتى أصبحت أسرته مثالاً خالداً للأسرة المؤمنة التي تحمل الرسالة، وتضحي من أجل المبادئ.
إنّ التأمل في نمط الحياة العائلية للإمام الحسين عليه السلام يكشف عن مجموعة من الدروس التربوية والاجتماعية والأخلاقية التي تحتاجها الأسرة المعاصرة في مواجهة التحديات المختلفة. ففي سيرته نجد أهمية الحوار داخل الأسرة، والعناية بالأبناء، واحترام المرأة، وتعزيز الروابط العاطفية بين أفراد العائلة، وربط الحياة الأسرية بالقيم الإلهية والمبادئ الإنسانية السامية. كما نجد نموذجاً عملياً لكيفية الجمع بين المسؤوليات الاجتماعية الكبرى وبين أداء الواجبات العائلية بكلّ إخلاص واهتمام. ومن هنا فإنّ دراسة نمط الحياة العائلية من الإمام الحسين عليه السلام ليست مجرد استذكارٍ لأحداث تاريخية أو مواقف عابرة، بل هي محاولة لاستلهام منهجٍ تربوي متكامل يمكن أن يسهم في بناء أسرٍ أكثر تماسكاً واستقراراً ووعياً.
احترام وحبّ افراد العائلة
أهم وأبرز مظاهر الحياة الأسرية عند الإمام الحسين عليه السلام احترامه للزوجة وتقديره لشخصيتها ومكانتها. فقد كان أهل البيت عليهم السلام ينظرون إلى الزوجة على أنّها شريكة في الحياة ومسؤولة عن بناء الأسرة، وليست مجرد فرد تابع للرجل. ويظهر هذا المعنى في تعامل الإمام الحسين عليه السلام مع زوجاته بالمعروف والإحسان، فقد كان يحرص على تكريمهن وإعطائهن حقوقهن المعنوية والمادية. كما كان يراعي مشاعرهن ويحفظ كرامتهن، وذلك تطبيقاً للمنهج الإسلامي الذي يدعو إلى حسن المعاشرة والرفق بالمرأة. فقد أنشد الإمام الحسين عليه السلام حول زوجته الرباب شعرا تخلّد في أذهان الشيعة والمحبين، فقد قال عليه السلام:
لعمرك إنني لأحبّ دارا * تكون بها سكينة والرباب
أحبّهما وابذل جل مالي * وليس لعاتب عندي عتاب(1).
وأيضا في يوم عاشوراء عندما استشهد أصحابه وأهل بيته عليهم السلام، جاء الإمام عليه السلام إلى عائلته وأهل بيته، فقال لهم: «يَا أُخْتَاهُ، يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، وَأَنْتِ يَا زَيْنَبُ، وَأَنْتِ يَا فَاطِمَةُ، وَأَنْتِ يَا ربَابُ، انْظُرْنَ إِذَا أَنَا قُتِلْتُ فَلَا تَشْقُقْنَ عَلَيَّ جَيْبًا، وَلَا تَخْمِشْنَ عَلَيَّ وَجْهًا، وَلَا تَقُلْنَ هجْرًا»(2). وهذا القول يدلّ على مدى أهمية الأهل والعيال عند الإمام الحسين عليه السلام وكيفية حفظ احترامهن بعد استشهاده عليه السلام.
وهذا النوع من الاحترام للعائلة وأفراد الأسرة، ينتج احتراما واهتماما متقابلا بطبيعة الحال. فعندما ترى الزوجة مدى الاهتمام والاحترام الذي يبذله الزوج لها، فهي أيضا تحترمه وتهمتمّ به، حتى أنّ ذلك وصل إلى درجة عندما جاءت قافلة السبايا إلى الشام، وحضرت في يزيد بن معاوية، وأتوا برأس الإمام الحسين عليه السلام عند يزيد، لم تحتمل الرباب، فيقول الراوي: «بَعْدَ مَا أَخَذَت الرَّأْسَ الشَّرِيفَ، وَقَبَّلَتْهُ، وَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهَا، قالَت:
وَا حُسَيْنَاهُ، فَلَا نَسِيتُ حُسَيْنًا * أَقْصَدَتْهُ أَسِنَّةُ الْأَعْدَاءِ
غَادَرُوهُ بِكَرْبَلَاءَ صَرِيعًا * لَا سَقَى اللَّهُ جَانِبَي كَرْبَلَاءَ»(3).
حسن التعامل مع الأسرة
حسن التعامل لا يقتصر على الكلام الطيب أو المعاملة الحسنة في أوقات الراحة فقط، بل يشمل الاحترام المتبادل، والرحمة، والصبر، والعفو، والاهتمام بمشاعر الآخرين، والسعي إلى إدخال السرور إلى قلوبهم. وقد أكدت النصوص الإسلامية على هذه المعاني؛ لأنّ الأسرة التي يسودها حسن التعامل تكون أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة الصعوبات والتحديات. ومن هنا يمكننا أن نفهم معنى هذه الرواية. فقد روى جابر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام، فَقَالُوا: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، نَرَى فِي مَنْزِلِكَ أَشْيَاءَ نَكْرَهُهَا، وَإِذَا فِي مَنْزِلِهِ بُسُطٌ وَنَمَارِقُ. فَقَالَ عليه السلام: إِنَّا نَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَنُعْطِيهِنَّ مُهُورَهُنَّ، فَيَشْتَرِينَ مَا شِئْنَ لَيْسَ لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ»(4).
وكان الإمام الحسين عليه السلام يتعامل مع أهل بيته بمنتهى اللطف واللين، بعيداً عن القسوة أو الغلظة. فالرفق كان سمةً بارزةً في شخصيته، وهو من أهم عناصر نجاح العلاقات الأسرية. فالإنسان قد يمتلك السلطة أو المكانة داخل الأسرة، لكن ذلك لا يبرر له التعامل بعنف أو استعلاء مع من حوله. وقد أثبت الإمام الحسين عليه السلام من خلال سيرته أن القوة الحقيقية تكمن في الرحمة وحسن الخلق، وأن القلوب تُكسب بالمحبة لا بالإكراه. وقد تجلّى هذه الصفة في الإمام عليه السلام حتى مع تعامله عليه السلام مع أصحابه وأنصاره. فقد روي حول نافع بن هلال الجملي في يوم عاشوراء: «وَكَانَتْ لَهُ مَخْطُوبَةٌ لَمْ يُضَاجِعْهَا، وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ نَافِعًا بَرَزَ، تَعَلَّقَتْ بِأَذْيَالِهِ، وَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَتْ: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي، وَعَلَى مَنْ أَعْتَمِدُ بَعْدَكَ؟ فَسَمِعَ الْحُسَيْنُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: يَا نَافِعُ، إِنَّ أَهْلَكَ لَا يَطِيبُ لَهَا فِرَاقُكَ، فَلَوْ رَأَيْتَ أَنْ تَخْتَارَ سُرُورَهَا عَلَى الْبِرَازِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، لَوْ لَمْ أَنْصُرْكَ الْيَوْمَ، فَبِمَاذَا أُجِيبُ غَدًا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَبَرَزَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.»(5).
الغيرة على العيال
الغيرة في المفهوم الإسلامي هي المحافظة على الحرمات وصيانة القيم والأعراض، وهي من الأخلاق التي يحبها الله تعالى إذا كانت في موضعها الصحيح. فالإنسان المؤمن لا يرضى أن تتعرض أسرته للإهانة أو الانحراف أو الاعتداء، بل يسعى إلى حمايتها ورعايتها بكل الوسائل المشروعة؛ وهي سبب للسعادة في الدنيا والآخرة، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه: «أتي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِأُسَارَى، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، خَلَا رَجُلًا مِنْ بَيْنِهِمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي -يَا مُحَمَّدُ- كَيْفَ أُطْلِقْتَ عَنِّي مِنْ بَيْنِهِمْ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِيكَ خَمْسَ خِصَالٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ: الْغَيْرَةُ الشَّدِيدَةُ عَلَى حَرَمِكَ، وَالسَّخَاءُ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ، وَالشَّجَاعَةُ. فَلَمَّا سَمِعَهَا الرَّجُلُ أَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.»(6).
وروي حول الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء: «وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قَتَلَ أَلْفَ رَجُلٍ وَتِسْعَمِائَةَ رَجُلٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، سِوَى الْمَجْرُوحِينَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لِقَوْمِهِ: الْوَيْلُ لَكُمْ، أَتَدْرُونَ لِمَنْ تُقَاتِلُونَ؟ هَذَا ابْنُ الْأَنْزَعِ الْبَطِينِ، هَذَا ابْنُ قَتَّالِ الْعَرَبِ، فَاحْمِلُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَكَانَتِ الرُّمَاةُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَرَمَوْهُ بِالسِّهَامِ، فَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِحَالِهِ. فَصَاحَ بِهِمْ: وَيْحَكُمْ يَا شِيعَةَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ، وَكُنْتُمْ لَا تَخَافُونَ الْمَعَادَ، فَكُونُوا أَحْرَارًا فِي دُنْيَاكُمْ، وَارْجِعُوا إِلَى أَحْسَابِكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْرَابًا. فَنَادَاهُ شِمْرٌ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ فَاطِمَةَ؟ قَالَ: أَقُولُ: أَنَا الَّذِي أُقَاتِلُكُمْ وَتُقَاتِلُونَنِي، وَالنِّسَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ، فَامْنَعُوا عُتَاتَكُمْ عَنِ التَّعَرُّضِ لِحَرَمِي مَا دُمْتُ حَيًّا. فَقَالَ شِمْرٌ: لَكَ هَذَا. ثُمَّ صَاحَ شِمْرٌ: إِلَيْكُمْ عَنْ حَرَمِ الرَّجُلِ، فَاقْصِدُوهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَعَمْرِي لَهُوَ كُفْءٌ كَرِيمٌ. فَقَصَدَهُ الْقَوْمُ.»(7). وأظهر هذا الموقف مدى أهمية العائلة عند الإمام الحسين عليه السلام ومدى غيرته عليه السلام عليهم. فإنّه حتى في ساعة الشهادة مع العطش والتعب الشديد، لم يترك التفكر في عائلته وعياله.
هذه جملة من الأمور والأقوال والتصرفات التي نقله لنا الأئمة الأطهار عليهم السلام والمؤرخون عن الإمام الحسين عليه السلام ونمط حياته العائلية وكيفية تصرفاته ومعاملته مع عائلته وأهل بيته. نتمنى أن نتعلّم منه عليه السلام كيفية الحياة السعيدة، حتى نقتدي بسيرته المباركة بغية تحقيق مجتمع مثالي متكوّن من أسر إسلامية تنتمي إلى تلك الشجرة الطيبة.
1) مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الإصفهاني / المجلد: 1 / الصفحة: 59 / الطبع: نشر مؤسسة دار الكتاب – قم.
2) اللهوف في قتلى الطفوف / السيد بن طاووس / المجلد: 1 / الصفحة: 50 / الطبع: مؤسسة أنوار الهدى – قم.
3) أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين / المجلد: 1 / الصفحة: 617 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 476 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) كلمات الإمام الحسين عليه السلام / الشيخ الشريفي / المجلد: 1 / الصفحة: 447 / الطبع: مطبعة الأمير – النجف الأشرف.
6) الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 345 / الطبع: مؤسسة البعثة – قم.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 45 / الصفحة: 51 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.






