دور الإمام السجّاد عليه السلام في حفظ عاشوراء
شكّلت واقعة الطف منعطفاً مصيرياً في تاريخ الإسلام، فلم تكن مجرد معركة انتهت باستشهاد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، بل كانت بداية مرحلة جديدة من الصراع بين الحق والباطل. وبعد أن انتهت السيوف من أداء دورها في كربلاء، بدأ دور الكلمة والدمعة والصبر، وكان حامل هذا المشروع العظيم الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، الناجي الوحيد من رجال أهل البيت عليهم السلام في كربلاء.
لقد عاش الإمام السجاد عليه السلام بعد عاشوراء حملاً ثقيلاً، فلم يكن يحمل حزنه الشخصي على أبيه وأهل بيته فحسب، بل حمل مسؤولية حفظ رسالة الإمام الحسين عليه السلام من محاولات التحريف والنسيان. ولهذا أصبحت دموعه مدرسة، وصبره جهاداً، ومواقفه الإعلامية والسياسية امتداداً لثورة كربلاء، حتى تحولت سيرته إلى أعظم مشروع لإحياء عاشوراء وترسيخها في وجدان الأمة.
الإمام السجاد عليه السلام شاهد المأساة
لم يسمع الإمام السجاد عليه السلام بمقتل أبيه من الآخرين، بل رأى بعينيه أجساد أبيه وإخوته وأعمامه وأبناء عمومته وأصحابه صرعى على أرض كربلاء، وشاهد النساء والأطفال وهم يُساقون أسرى، وعاش رحلة السبي بكل تفاصيلها المؤلمة من الكوفة إلى الشام.
وفي مجلس يزيد، حين حاول الإعلام الأموي تصوير أهل البيت عليهم السلام على أنهم خارجون على الدولة، وقف الإمام السجاد عليه السلام يدافع عن الحقيقة. ومن أشهر المواقف ما جرى مع شيخٍ من أهل الشام الذي تأثر بالدعاية الأموية، فواجه الإمام عليه السلام بسلسلة من الآيات القرآنية، فسأله عن آية المودة، وآية ذوي القربى، وآية التطهير، حتى أدرك الشيخ أن هؤلاء هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فبكى وتبرأ من أعدائهم، معلناً توبته، فكان مصيره أن أمر يزيد بقتله (1). لقد كشف هذا الموقف حجم التضليل الذي مارسته السلطة، كما كشف الدور الرسالي الذي نهض به الإمام السجاد عليه السلام في إعادة تعريف الأمة بأهل البيت عليهم السلام.
البكاء... ثورة تحفظ الرسالة
كثيرون ينظرون إلى بكاء الإمام السجاد عليه السلام على أنه مجرد تعبير عن الحزن، بينما تكشف الظروف التاريخية أنه كان مشروعاً واعياً لحفظ قضية الإمام الحسين عليه السلام.
فالإعلام الأموي حاول أن يصور ثورة الإمام الحسين عليه السلام على أنها نزاع على الحكم، وأن يطمس أهدافها الإصلاحية، ولذلك كان الإمام السجاد عليه السلام بحاجة إلى وسيلة دائمة تعيد الناس إلى السؤال: لماذا يبكي ابن الحسين كل هذا البكاء؟
ولهذا أصبح بكاؤه خطاباً إعلامياً متواصلاً يذكّر الأمة كل يوم بأن الحسين عليه السلام قُتل مظلوماً وعطشاناً، وأن القضية ليست قضية أسرة، وإنما قضية دين وقيم وعدالة.
ومن هنا فإن تفسير ظاهرة بكائه لا يكتمل إذا اقتصر على الجانب العاطفي، بل لا بد من فهمها ضمن الظروف السياسية التي عاشها الإمام عليه السلام، حيث كانت دموعه تحطم الرواية الرسمية، وتوقظ الضمائر، وتحفظ عاشوراء من النسيان.
لماذا استمر الإمام في البكاء؟
يروي الإمام الباقر عليه السلام في حق والإمام السجّاد عليه السلام: «لَقَدْ كَانَ بَكَى عَلَى أَبِيهِ الْحُسَيْنِ عليه السلام عِشْرِينَ سَنَةً، وَ مَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامٌ إِلَّا بَكَى، حَتَّى قَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَ مَا آنَ لِحُزْنِكَ أَنْ يَنْقَضِيَ؟
فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ إِنَّ يَعْقُوبَ النَّبِيَّ عليه السلام كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ ابْناً، فَغَيَّبَ اللَّهُ عَنْهُ وَاحِداً مِنْهُمْ، فَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ كَثْرَةِ بُكَائِهِ عَلَيْهِ، وَ شَابَ رَأْسُهُ مِنَ الْحُزْنِ، وَ احْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ مِنَ الْغَمِّ، وَ كَانَ ابْنُهُ حَيّاً فِي الدُّنْيَا، وَ أَنَا نَظَرْتُ إِلَى أَبِي وَ أَخِي وَ عَمِّي وَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مَقْتُولِينَ حَوْلِي، فَكَيْفَ يَنْقَضِي حُزْنِي؟» (2).
لقد أراد الإمام السجاد عليه السلام بهذا الجواب أن يبين أن بكاءه ليس أمراً خارجاً عن السنن الإلهية، فإذا كان نبي الله يعقوب قد بكى على ولد واحد وهو يعلم أنه حي، فكيف بمن رأى بعينيه عشرات الأحبة وقد ذُبحوا أمامه؟
ولم يكن هذا البكاء ضعفاً، بل كان وفاءً للرسالة، وشهادةً مستمرة على أعظم جريمة ارتكبت بحق أهل بيت النبوة.
حتى الماء كان يذكّره بكربلاء
بلغ تعلق الإمام السجاد عليه السلام بمصيبة أبيه مبلغاً عظيماً، حتى إن شرب الماء كان يوقظ في قلبه ذكرى عطش الحسين عليه السلام.
فقد روي أنه إذا أخذ إناء الماء ليشرب بكى حتى يمتزج الماء بدموعه، فقيل له في ذلك، فقال:
« وكَيفَ لا أبكي وقَد مُنِعَ أبي مِنَ الماءِ الَّذي كانَ مُطلَقاً لِلسِّباعِ وَالوُحوشِ؟» (3).
إنها صورة تختصر عمق ارتباط الإمام عليه السلام بعاشوراء؛ فلم يكن العطش حادثة عابرة في ذاكرته، بل ظل رمزاً دائماً للظلم الذي وقع في كربلاء.
أول من أقام مأتم الحسين وصنع الطعام للمعزين
ومن أعظم معالم سيرة الإمام السجاد عليه السلام أنه لم يكتف بالبكاء، بل أسس عملياً لشعيرة إقامة المآتم الحسينية.
فقد روى أن علي بن الحسين عليه السلام : «لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السَّلام لَبِسَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ السَّوَادَ وَ الْمُسُوحَ ، وَ كُنَّ لَا يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَ لَا بَرْدٍ ، وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السَّلام يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ» (4).
وهذه الرواية تكشف حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن الإمام السجاد عليه السلام كان يتولى بنفسه إعداد الطعام للنساء في أيام العزاء، فكان أول من جمع بين إقامة المأتم وخدمة المعزين.
ومن هنا أصبحت إطعام الطعام في مجالس الإمام الحسين عليه السلام امتداداً عملياً لهذه السيرة المباركة، فهي ليست مجرد عادة اجتماعية، وإنما ممارسة لها جذورها في سلوك الإمام زين العابدين عليه السلام، الذي أراد أن يتحول العزاء إلى مدرسة للتكافل والمواساة وخدمة المؤمنين.
ثواب البكاء على الإمام الحسين عليه السلام
ولم يكتف الإمام السجاد عليه السلام بإحياء العزاء عملياً، بل بيّن عظيم ثواب البكاء على الإمام الحسين عليه السلام.
فقد روي عنه أنه قال: « أيُّما مُؤمِنٍ دَمَعَت عَيناهُ لِقَتلِ الحُسَينِ عليه السلام حَتّى تَسيلَ عَلى خَدِّهِ ، بَوَّأَهُ اللّه ُ تَعالى بِها فِي الجَنَّةِ غُرَفا يَسكُنُها أحقابا، وأيُّما مُؤمِنٍ دَمَعَت عَيناهُ حَتّى تَسيلَ عَلى خَدِّهِ فيما مَسَّنا مِنَ الأَذى مِن عَدُوِّنا فِي الدُّنيا، بَوَّأَهُ اللّه ُ فِي الجَنَّةِ مُبَوَّأَ صِدقٍ . وأيُّما مُؤمِنٍ مَسَّهُ أذىً فينا، فَدَمَعَت عَيناهُ حَتّى تَسيلَ عَلى خَدِّهِ مِن مَضاضَةِ ما اُوذِيَ فينا، صَرَفَ اللّه ُ عَن وَجهِهِ الأَذى، وآمَنَهُ يَومَ القِيامَةِ مِن سَخَطِهِ وَالنّارِ» (5).
وهذا يدل على أن البكاء هو تعبير عن الولاء الصادق، والانتماء لقضية الإمام الحسين عليه السلام، والاستعداد للسير على نهجه في مواجهة الظلم والانحراف.
الخاتمة
إن شهادة الإمام السجاد عليه السلام تذكّر الأمة بشخصية استثنائية حملت رسالة كربلاء بعد انقضاء المعركة. فقد عاش الإمام سنوات عمره شاهداً على المأساة، ومربياً للأمة، وحارساً لذاكرة عاشوراء، حتى أصبحت دموعه منبراً، وصبره جهاداً، وسيرته دستوراً لكل من يريد أن يحفظ رسالة الإمام الحسين عليه السلام.
لقد أثبت الإمام زين العابدين عليه السلام أن الثورة لا تنتهي بانتهاء القتال، وأن الكلمة والدمعة والموقف الصادق قد تكون أبلغ أثراً من السيف في كثير من الأحيان. كما أرسى بسيرته المباركة أسس إحياء المآتم الحسينية، فكان يصنع الطعام للمعزين، ويواسي أهل بيته، ويغرس في الأمة ثقافة الوفاء للشهداء وخدمة المؤمنين.
وهكذا بقي الإمام السجاد عليه السلام امتداداً حياً لثورة أبيه، يحفظ أهدافها، ويكشف زيف الدعاية الأموية، ويورث الأجيال رسالة عاشوراء جيلاً بعد جيل، حتى غدت دموعه نوراً يهدي القلوب، وصوته الخافت في البكاء أقوى من ضجيج الطغاة، وأبقى أثراً من قصورهم وسلطانهم.
1. الملهوف على قتلى الطّفوف / السيد بن طاووس / المجلّد : 1 / الصفحة : 213.
2. الخصال / الشيخ الصدوق / المجلّد : 2 / الصفحة : 519.
3. المناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب / المجلّد : 4 / الصفحة : 166.
4. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 3 / الصفحة : 238 / ط آل البیت.
5. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 14 / الصفحة : 501 / ط آل البیت.







