عوامل القضاء على الفقر في القرآن والروايات
بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر، نتعرّف إلى رؤية القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الفقر والحدّ من آثاره، فما أبرز السبل التي قدّمتها النصوص الدينية للقضاء على الفقر وتحقيق التكافل الاجتماعي؟
الحلّ القرآني للقضاء على الفقر
يسعى القرآن الكريم، من أجل تحقيق التعادل والتوازن بين الفقر والغنى في المجتمع، إلى توجيه المؤمنين نحو تقليل الفجوة الطبقية إلى أدنى حدّ ممكن من خلال الإنفاق، وقد وردت هذه الآيات في القرآن الكريم بصيغ وألفاظ مختلفة، نذكر هنا بعض الآيات منها على سبيل المثال.
أ) الآيات التي وردت فيها ألفاظ «الإنفاق»:
• ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾(1)
• ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾(2)
وتبرز مسألة الإنفاق في وصف المتقين:
• ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾(3)
• ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾(4)
ب) يصرّح القرآن الكريم من جهة أخرى بأنّ للفقراء والأيتام والمحرومين في المجتمع حقوقًا في أموال الأغنياء، ومن هذا الطريق يأمر الميسورين بالسعي في سبيل القضاء على الفقر وتقليل الفجوة الطبقية.
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾(5)
ويرى بعض المفسّرين أنّ المراد بـ«الحق المعلوم» شيء غير الزكاة، يوجب الإنسان على نفسه مساعدة المحتاجين، ويؤيّد هذا الأمر ما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال:
إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)، فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَ: والَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ، مَا هَذَا الْحَقُّ الْمَعْلُومُ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع): الْحَقُّ الْمَعْلُومُ الشَّيْءُ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ ولَا مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَتَيْنِ. قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الزَّكَاةِ ولَا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ هُوَ الشَّيْءُ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ إِنْ شَاءَ أَكْثَرَ وإِنْ شَاءَ أَقَلَّ، عَلَى قَدْرِ مَا يَمْلِكُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَمَا يَصْنَعُ بِهِ. قَالَ: يَصِلُ بِهِ رَحِماً، ويَقْرِي بِهِ ضَيْفاً، ويَحْمِلُ بِهِ كَلًّا أَوْ يَصِلُ بِهِ أَخاً لَهُ فِي اللَّهِ أَوْ لِنَائِبَةٍ تَنُوبُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُ يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاتِهِ.(6)
ج) يمدح القرآن الكريم في بعض الآيات الفقراء المتعفّفين، وهم الذين حالت أسباب مختلفة، كالمشاركة في الجهاد، بينهم وبين كسب المال والثروة، كما أنّ علوّ همّتهم يمنعهم من السؤال. وفي مثل هذه الحالات أيضًا، أوصى القرآن المؤمنين بالعمل على تلبية احتياجات الفقراء.
• ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾(7)
• ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾(8)
الحلّ الروائي للقضاء على الفقر
وردت روايات متعددة تذكر بعض السلوكيات والتصرّفات التي تُعدّ من مقدّمات الفقر، ومنها رواية نُقلت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال:
1. عِشْرُونَ خَصْلَةً تُورِثُ الْفَقْر:َ أَوَّلُهُ الْقِيَامُ مِنَ الْفِرَاشِ لِلْبَوْلِ عُرْيَاناً، والْأَكْلُ جُنُباً، وتَرْكُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وإِهَانَةُ الْكِسْرَةِ مِنَ الْخُبْزِ، وإِحْرَاقُ الثُّومِ والْبَصَلِ، والْقُعُودُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَيْتِ، وكَنْسُ الْبَيْتِ بِاللَّيْلِ وبِالثَّوْبِ، وغَسْلُ الْأَعْضَاءِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ، ومَسْحُ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ بِالْمِنْدِيلِ والْكُمِّ، ووَضْعُ الْقِصَاعِ والْأَوَانِي غَيْرَ مَغْسُولَةٍ، ووَضْعُ أَوَانِي الْمَاءِ غَيْرَ مُغَطَّاةِ الرُّءُوسِ، وتَرْكُ بُيُوتِ الْعَنْكَبُوتِ فِي الْمَنْزِلِ، واسْتِخْفَافُ الصَّلَاةِ، وتَعْجِيلُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِد،ِ والْبُكُورُ إِلَى السُّوقِ، وتَأْخِيرُ الرُّجُوعِ عَنْهُ إِلَى الْعِشَاءِ، وشِرَاءُ الْخُبْزِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، واللَّعْنُ عَلَى الْأَوْلَادِ، والْكَذِبُ، وخِيَاطَةُ الثَّوْبِ عَلَى الْبَدَنِ، وإِطْفَاءُ السِّرَاجِ بِالنَّفَسِ. وفِي خَبَرٍ آخَرَ: والْبَوْلُ فِي الْحَمَّامِ، والْأَكْلُ عَلَى الْجُثَى، والتَّخَلُّلُ بِالطَّرْفَاءِ، والنَّوْمُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، والنَّوْمُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ورَدُّ السَّائِلِ الذَّكَرِ بِاللَّيْلِ، وكَثْرَةُ الِاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِنَاءِ، واعْتِيَادُ الْكَذِبِ، وتَرْكُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ، والتَّمَشُّطُ مِنْ قِيَامٍ، والْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ، وقَطِيعَةُ الرَّحِمِ(9).
2. يقول الإمام علي عليه السلام: «إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللَّهَ بِالصَّدَقَهِ»(10).
3. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) لِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، كَمْ فَضَلَ مَعَكَ مِنْ تِلْكَ النَّفَقَةِ، قَالَ: أَرْبَعُونَ دِينَاراً، قَالَ: اخْرُجْ، فَتَصَدَّقْ بِهَا، قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعِي غَيْرُهَا، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهَا؛ فَإِنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُخْلِفُهَا، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحاً ومِفْتَاحَ الرِّزْقِ الصَّدَقَةُ؟ فَتَصَدَّقْ بِهَا، فَفَعَلَ. فَمَا لَبِثَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَشَرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَاءَهُ مِنْ مَوْضِعٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَعْطَيْنَا لِلَّهِ أَرْبَعِينَ دِينَاراً، فَأَعْطَانَا اللَّهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَار(11).
الفقر: فخر أم هلاك؟
هل يكون الفقر مصدر فخر للإنسان، کما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الْفَقْرُ فَخْرِي وبِهِ أَفْتَخِرُ(12)، أم أنّ الموت خير من الفقر کما ورد عن اميرالمومنين عليه السلام الْقَبْر خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ؟(13)
الإنسان مأمور في الدنيا بالسعي والعمل من أجل كسب الرزق الحلال، فإذا بذل جهده وسعى في هذا الطريق، فلن يكون قلقه بشأن احتياجاته المادية كبيرًا؛ لأنّه أدّى وظيفته، وعمل وفق القواعد والقوانين، أمّا الرزق والبركة فمن عند الله تعالى. فإذا نظر الإنسان إلى الدنيا والحياة فيها من هذه الزاوية، فإنّ الفقر إذا أصابه، يكون حينها مصدر فخر واعتزاز. فالفقر والغنى كلاهما من أدوات الاختبار الإلهي، ويمكن أن يكونا سببًا لتقدّم الإنسان وارتقائه، أو لانحرافه وانحطاطه.
ومن زاوية أخرى، إنّ للفقر مصاديق عديدة، فذلك الفقر الذي يكون أسوأ من القبر، وقد يفضي إلى الكفر(14)، هو الفقر المطلق، أي أن ينشغل الإنسان بكلّ فكره وتفكيره بتأمين الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة، بحيث لا تعود لديه القدرة على التفكير في أيّ شيء آخر. أمّا الفقر النسبي -فنظرًا إلى أنّه يقضي على صفة الاستغناء المذمومة في الإنسان- فإنّه قد يكون مفيدًا لنموّه المعنوي.
وبطبيعة الحال، قد يكون مراد أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: الْقَبْر خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ، هو الفقر والنقص المعنوي، وهو الفقر في الآخرة، بسبب الأعمال المخالفة وقلّة الأعمال الصالحة، أو قد يكون المقصود الفقر المادي نفسه إذا لم يكن مصحوبًا بالصبر والورع. وفي هذه الحالة، يتّضح أنّ الموت والقبر أفضل لمثل هذا الإنسان؛ لأنّهما سينقذانه من الهلاك والشقاء.
وفي الختام، تؤكّد تعاليم القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام أنّ مواجهة الفقر مسؤولية تتكامل فيها جهود الأسرة والمجتمع. فبالسعي والعمل، وحسن تدبير المعيشة، والإنفاق، والصدقة، وصلة الرحم، ورعاية المحتاجين، تستطيع الأسرة المسلمة أن تسهم في الحدّ من الفقر، وتبني حياةً أكثر تكافلًا وبركةً واستقرارًا.
فما الخطوة التي تستطيعين أنتِ وأسرتكِ البدء بها اليوم لمساعدة محتاج، أو نشر ثقافة العطاء، أو ترشيد الإنفاق؟ شاركينا تجربتكِ وأفكاركِ، ولنجعل من بيوتنا نقطةَ بدايةٍ لمجتمعٍ أكثر تكافلًا ورحمةً.
1. سورة البقرة: الآية: 267
2. سورة البقرة: الآية: 254
3. سورة البقرة: الآية: 3
4. سورة البقرة: الآية: 274
5. سورة المعارج: الآيات: 24 و25
6. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 3 / الصفحة: 500 / ط الإسلامية
7. سورة البقرة: الآية: 273
8. سورة النور: الآية: 33
9. جامع الأخبار / الشعيري، محمد / الصفحة: 124
10. نهج البلاغة / السيد الرضي / الصفحة: 513 / صبحي صالح
11. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 4 / الصفحة: 10 / ط الإسلامية
12. عدة الداعي ونجاح الساعي / ابن فهد الحلي / الصفحة: 123
13. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 8 / الصفحة: 21 / ط الإسلامية
14. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله عليه وآله: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً: الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 307 / ط الإسلامية
.jpg/w/600)

.jpg/w/400)
.jpg/w/400)



