كيف نكون حَماةً محبوباتٍ ومحترماتٍ؟
هل حدث أن فكّرت الحماة في نفسها قائلةً: كم مضى من الأيام دون أن أرى ابني أو ابنتي، ودون أن يأتي لزيارتي؟ وهل قد يخطر ببالها أنّ زوجة ابنها أو زوج ابنتها تشغله بأعمالٍ مختلفة؛ ولذلك لا يتمكّن من زيارتها؟ وهل قد تقول لابنها أو ابنتها: لماذا تهتمّ بزوجتك أكثر من اهتمامك بي؟ أنا أمّك، وكنتُ الوحيدة التي ساندتك طوال حياتك، وعليك أن تختار بيني وبين زوجتك أو زوجك؟
ويُشار إلى الخامس من مارس/آذار عام 1934 بوصفه التاريخ الذي أُقيم فيه أول احتفالٍ باليوم العالمي للحماة في مدينة أماريلو بولاية تكساس الأمريكية، وتُنسب المبادرة إلى جين هاو (Gene Howe)، الذي كان محرّرًا لصحيفة محلية في المدينة، حيث أُطلقت الفكرة تكريمًا للحماة وتقديرًا لمكانتها في الحياة الأسرية، على غرار الاحتفال بعيد الأم.
وفي حياة كلّ واحدٍ منّا، هناك أشخاص يؤدّون أدوارًا تتجاوز مجرّد الألقاب التي يحملونها، فهم لا يكتفون بالمكانة التي تمنحهم إيّاها صلة القرابة، بل يتركون أثرًا عميقًا في حياة الآخرين من خلال محبتهم، وحكمتهم، وحسن تعاملهم. وهذا ما ينطبق على الحماة، سواء أكانت أمّ الزوج أم أمّ الزوجة، فهي ليست مجرّد أمٍّ لأحد الزوجين، بل يمكنها أن تكون مصدرًا للحنان، وعونًا للأسرة، وسببًا في تعزيز المحبة والاستقرار بين أفرادها.
في هذه المقالة سنبيّن لكم أيها الأمهات مجموعة من الحلول التي يمكن مراعاتها.
دخول فرد جديد إلى الأسرة، هدية لا تهديد
قد تنظر بعض الأمهات إلى دخول الكنّة أو الصهر إلى الأسرة نظرةً يغلب عليها القلق والخوف، فقد تشعر الأم بأنّ مكانتها في حياة ابنها أو ابنتها أصبحت مهدّدة، أو تخشى أن تتغيّر طبيعة العلاقة التي اعتادت عليها طوال سنوات. وقد يدفعها هذا الشعور، أحيانًا من دون أن تقصد، إلى محاولة السيطرة على تفاصيل الحياة الجديدة، أو التدخّل في القرارات الزوجية، أو عقد المقارنات بين الفرد الجديد وأفراد الأسرة الآخرين.
لكن من المهمّ أن ندرك أنّ دخول الكنّة أو الصهر إلى الأسرة لا يعني أن شخصًا غريبًا جاء؛ ليأخذ مكان أحد أفرادها، بل يعني أنّ شخصًا جديدًا أصبح شريكًا في رحلة الحياة، وأنّ الأسرة حصلت على فرصة جديدة للتعارف والتقارب وتبادل الخبرات. فالأم التي تحبّ ابنها حقًّا، ينبغي أن تفرح بوجود إنسان يشاركه حياته، ويؤانسه في وحدته، ويساعده على تحمّل مسؤولياته، ويقف إلى جانبه في أوقات الفرح والتعب. وكذلك الأب والأم اللذان يحبّان ابنتهما، من الطبيعي أن يفرحا بوجود زوج يسعى إلى إسعادها، ويحفظ كرامتها، ويشاركها مسؤوليات الحياة. وهنا رواية جميلة عن الإمام الصادق عليه السلام في أن نرى الفرد الجديد في الأسرة كفرصة وهدية، فقد قال عليه السلام: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ إِذَا أَتَاهُ خَتَنُهُ عَلَى ابْنَتِهِ أَوْ عَلَى أُخْتِهِ، بَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَنْ كَفَى الْمَؤُونَةَ، وَسَتَرَ الْعَوْرَةَ.»(1).
احترام الخصوصية الزوجية
إنّ البيت الزوجي الجديد ليس مجرّد غرفة إضافية في بيت العائلة الكبير، ولا مساحةً تابعةً للوالدين يستطيعان إدارتها بالطريقة نفسها التي اعتاداها، بل هو عالم خاصّ يتشارك الزوجان في بنائه وتنظيمه. فهما اللذان يحدّدان طريقة ترتيب المنزل، وأوقات الراحة والنوم، ومواعيد استقبال الضيوف، وأسلوب الإنفاق، وكيفية توزيع المسؤوليات المنزلية، وغير ذلك من التفاصيل التي تشكّل الحياة اليومية.
ومن المسائل التي قد تبدو بسيطة، لكنّها تحمل أثرًا كبيرًا في العلاقات الأسرية، مسألة الزيارة المفاجئة. فقد ترى الأم أنّ من الطبيعي أن تزور ابنها في أيّ وقت؛ لأنّه ابنها، ولأنّ بيتَه كان دائمًا مفتوحًا لها. وقد ترى أنّ الاتصال المسبق ليس ضروريًّا، أو أنّ الاستئذان قد يُشعرها بأنّها أصبحت غريبة عن بيت ابنها. لكنّ الأمر من وجهة نظر الزوجين قد يكون مختلفًا؛ فقد يكونان متعبين بعد يوم طويل من العمل، أو يستعدّان للخروج، أو يحتاجان إلى الراحة، أو يرغبان في قضاء بعض الوقت بمفردهما. وفي مثل هذه الظروف، قد تؤدّي الزيارة المفاجئة إلى إحراج الزوجين أو إرباك برنامجهما، حتى لو كانت الزيارة بدافع المحبّة.
تجنب التوقعات المفرطة
من الطبيعي أن تتمنّى الأم أن تكون محبوبةً من زوجة ابنها، وأن تشعر بأنّ لها مكانةً خاصةً في قلبها. ومن الطبيعي أيضًا أن ترغب في قضاء الأعياد والمناسبات العائلية مع أبنائها وأحفادها. فهذه الرغبات تعبّر عن حاجات إنسانية مفهومة، مثل الشعور بالقرب والانتماء والتقدير، لكنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل هذه الرغبات إلى شروط إلزامية، وحين تتعامل الأم مع عدم تحقّقها على أنّه إساءة أو تقصير متعمّد.
وهنا ينبغي أن نميّز بين أمرين:
الأول: الحقّ وهو ما يستحقّه الإنسان بحكم العلاقة والواجبات الأخلاقية أو الشرعية، كحسن المعاملة والاحترام وعدم الإساءة.
الثاني: التوقّع الشخصي وهو ما نرغب في أن يفعله الآخرون تعبيرًا عن محبّتهم لنا، كاختيار لقب معيّن لمخاطبتنا، أو تخصيص جميع أيام العطلة لزيارتنا.
والأمر المهم هو أنّه قد تقع بعض الأمهات في خطأ شائع، وهو توقّع أن تتعامل الكنّة معهنّ بالطريقة نفسها التي تتعامل بها البنت مع أمّها. فقد تتوقّع الأم أن تتّصل بها الكنّة كلّ يوم، وأن تخبرها بتفاصيل حياتها، وأن تشاركها مشاعرها الخاصة، لكنّ هذه المقارنة تتجاهل حقيقةً مهمة، كما أنّ العلاقة بين الأم وابنتها تختلف في طبيعتها وتاريخها عن العلاقة بين الحماة والكنّة.
عدم أخذ المواقف بدل الزوجين
إنّ الميل إلى الدفاع عن الأبناء أمر مفهوم من الناحية العاطفية، فالعلاقة بين الوالدين وأبنائهما تمتدّ لسنوات طويلة، لكنّ هناك فرقًا بين حماية الابن من الأذى، وبين افتراض أنّه محقّ في كلّ موقف. من الأخطاء التي قد تقع فيها الحماة أن تعتبر الدفاع عن ابنها في جميع المواقف دليلًا على الأمومة الصالحة، وكأنّ الاعتراف بخطئه يعني التخلّي عنه أو التقليل من قيمته، وكذلك والدي الزوجة. وهنا رواية جميلة وردت عن حياة أميرالمؤمنين وفاطمة الزهراء سلام الله عليها، تعلمنا بعض الدروس في حياتنا، فقد ورد: «غَدَا رسول الله عَلَيْنَا فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقُلْنَا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْخُلْ. فَدَخَل،َ وَجَلَسَ عِنْدَ رُءُوسِنَا. ثُمَّ قَالَ: يَا فَاطِمَةُ، مَا كَانَتْ حَاجَتُكِ أَمْسِ؟ فقال أميرالمؤمنين: إِنَّهَا اسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَ فِي صَدْرِهَ،ا وَجَرَتْ بِالرَّحَى حَتَّى مَجِلَتْ يَدَاهَا، وَكَسَحَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، وأَوْقَدَتْ تَحْتَ الْقِدْرِ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا. فَقُلْتُ لَهَا: لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ، فَسَأَلْتِهِ خَادِماً يَكْفِيكِ حَرَّ مَا أَنْتِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ. قَالَ: أفَلَا أُعَلِّمُكُمَا مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنَ الْخَادِمِ إِذَا أَخَذْتُمَا مَنَامَكُمَا: فَكَبِّرَا أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَ،ةً وَسَبِّحَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَاحْمَدَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً.»(2).
فشاهدوا موقف رسول الله صلى الله عليه وآله بدقة، كيف إنّه لم يجعل نفسه بين الزوجين، ولم ينحاز إلى ابنته، ولم يقل لأميرالمؤمنين عليه السلام مثلا: لماذا لا تأخذ لها خادما؟ لماذا لا تفعل شيئا حيال ابنتي؟ هنا يجب أن نتعلم عدم أخذ المواقف بدل الزوجين.
تجنب الغيبة وحفظ أسرار الأسرة
حفظ أسرار الأسرة يعني احترام الحياة الخاصّة لأفراد العائلة، وعدم نقل تفاصيلها إلى أشخاص لا علاقة لهم بها، ولا يملكون دورًا حقيقيًّا في حلّ مشكلاتها. عندما تتكرّر أمام الأقارب أحاديث سلبية عن زوجة الابن، فقد تتكوّن لديهم صورةٌ مسبقة عنها، ويصبحون أكثر استعدادًا لتفسير تصرّفاتها تفسيرًا سلبيًّا، حتى عندما لا تكون مخطئة. وقد يحدث الأمر نفسه مع زوج الابنة؛ إذ يمكن أن يتحوّل كلّ خلافٍ جديد إلى دليلٍ إضافيّ على الصورة التي تكوّنت عنه سابقًا؛ وبذلك لا يعود الشخص يُقيَّم على أساس تصرّفاته الحقيقية، بل على أساس روايةٍ سلبية سابقة.
وإذا اكتشفت زوجة الابن أنّ حماتها تنقل تفاصيل حياتها إلى الأقارب، فقد تتوقّف عن الحديث معها بصراحة، وتصبح أكثر حذرًا في التعامل معها. وقد يشعر زوج الابنة بالأمر نفسه إذا علم أنّ خلافاته مع زوجته تُناقَش في مجالس العائلة. وهنا تخسر الحماة شيئًا مهمًّا: الثقة التي تسمح لها بأن تكون قريبةً من أبنائها وأزواجهم. فالمحبّة قد تساعد على بناء العلاقة، لكنّ الثقة هي التي تحميها، وتمنحها الاستقرار.
ومن المهمّ أن نؤكّد أنّ حفظ الأسرار لا يعني حماية المخطئ على حساب المظلوم، ولا يعني مطالبة المرأة بالصمت إذا كانت تتعرّض للإهانة أو العنف أو التهديد أو الاستغلال. فإذا وُجد أذى حقيقي، فقد يكون من الضروري طلب المساعدة من شخصٍ موثوق، أو مختصّ أسريّ، أو جهةٍ قادرة على توفير الحماية والإنصاف. لكن ينبغي التمييز بين طلب المساعدة من أجل معالجة الأذى، وبين نشر تفاصيل المشكلة بين الناس لمجرّد التشهير أو الانتقام.
1) وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / المجلد: 14 / الصفحة: 42 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 321 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.


.jpg/w/400)


.jpg/w/400)

