يوم التجليل عن ملكة البيت

في الثالث من نوفمبر من كل عام، تتجدد الدعوة إلى الالتفات إلى دور ربّة المنزل، وإلى تقدير الجهود الكبيرة التي تبذلها النساء في إدارة شؤون الأسرة، ورعاية أفرادها، وصناعة بيئة يسودها الدفء والأمان والاستقرار. فهذه المناسبة ليست مجرد فرصة لتقديم كلمات الشكر والثناء، بل هي دعوة إلى إعادة النظر في نظرتنا الاجتماعية إلى العمل المنزلي، وإلى اكتشاف القيمة الحقيقية للأعمال التي تجري داخل البيوت بعيدًا عن الأضواء، ولا تحظى في كثير من الأحيان بما تستحقه من اعتراف وتقدير.
وفي قلب الجهود التي تبذل في البيت، تقف ربّة المنزل، التي قد تبدأ يومها قبل استيقاظ الآخرين، وتواصل أعمالها حتى بعد أن ينتهي الجميع من مسؤولياتهم اليومية. فهي التي تتابع احتياجات أفراد الأسرة، وتنظم شؤون المنزل، وتحرص على إعداد الطعام، ونظافة المكان، ورعاية الأطفال، والاهتمام بكبار السن، ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية والتي قد تبدو صغيرة في أعين الآخرين، لكنها مجتمعة تصنع الفارق الكبير في استقرار الأسرة وراحتها. وقد تتحمل إلى جانب هذه المسؤوليات، أعباءً نفسية وعاطفية لا تظهر بوضوح، مثل القلق على مستقبل أبنائها، والتفكير في احتياجات أسرتها، ومحاولة احتواء الخلافات، وتخفيف الضغوط عن أفراد المنزل. 
ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من هذه الأعمال يمر بصمت، وكأنّ إنجازها واجب لا يستحق الشكر، أو كأنّ الوقت والجهد والطاقة التي تبذلها المرأة في سبيله أمور لا قيمة لها. وربما تسمع ربّة المنزل سؤالًا يتكرر في بعض المجتمعات: ماذا تفعلين طوال اليوم؟ أو هل تعملين؟ وبناء عليه، قررنا ان نقدّم لكم مقالا عن ربة البيت في هذا الخصوص.

كسر اسطورة العمل السهل

من أكثر الأفكار الشائعة في بعض المجتمعات المعاصرة أنّ العمل داخل المنزل أسهل بكثير من العمل خارجه، وأنّ ربّة المنزل التي لا تخرج كل صباح إلى مكتب أو مؤسسة، ولا تلتزم بساعات عمل رسمية، تعيش حياة مريحة نسبيًّا، ولا تواجه ضغوطًا حقيقية. وقد تبدو هذه الفكرة، للوهلة الأولى، منطقية لدى من ينظر إلى العمل المنزلي من زاوية ضيقة، فيرى إعداد الطعام وترتيب الغرف وغسل الملابس وتنظيف المنزل، ثم يظن أنّ هذه المهام لا تتطلب جهدًا كبيرًا، أو أنّها أعمال روتينية يمكن إنجازها بسهولة. لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أنّ العمل المنزلي ليس مجرد مجموعة من المهام الجسدية المتفرقة، بل هو منظومة متكاملة من المسؤوليات المتداخلة، التي تتطلب التخطيط والتنظيم والمتابعة المستمرة، إلى جانب الجهد البدني والعقلي والعاطفي. 
وخلف كل مهمة ظاهرة توجد سلسلة من الأعمال التي قد لا ينتبه إليها أحد، فإعداد وجبة الطعام، مثلًا، لا يبدأ عند دخول المطبخ، بل قد يبدأ قبل ذلك بساعات، حين تفكر ربّة المنزل فيما تحتاج إليه الأسرة، وتراجع ما هو متوافر في الثلاجة، وتحدد المكونات الناقصة، وتراعي اختلاف الأذواق والاحتياجات، ثم تختار الوقت المناسب لإعداد الوجبة، وتنسق ذلك مع بقية أعمالها. 
والأهم من ذلك أنّ هذه الأعمال لا تنتهي نهائيًّا، فبعد إعداد الطعام تأتي الأواني التي تحتاج إلى التنظيف، وبعد ترتيب الغرف قد تعود إلى الفوضى، وبعد غسل الملابس تتراكم ملابس أخرى تحتاج إلى الغسل؛ ولذلك فإنّ ربّة المنزل لا تعمل عادة من أجل إنجاز مهمة واحدة تنتهي نتائجها بصورة نهائية، بل تتعامل مع دورة مستمرة من الاحتياجات المتجددة. وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية للعمل المنزلي: إنجاز المهمة لا يعني انتهاء المسؤولية، بل قد يكون مجرد استعداد لبدء دورة جديدة منها.
وهذا الأمر مهم لدرجة أنّه روي عن أبي خالد الكعبي عن الإمام الصادق عليه السلام: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ دَفَعَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا شَيْئًا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، تُرِيدُ بِهِ صَلَاحًا، نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ.»(1).

التقدير المتقابل داخل الأسرة

من أجمل ما يمكن أن تقوم عليه الحياة الأسرية أن يشعر كل فرد فيها بأنّ جهوده مرئية، وأن تعبه مقدَّر، وأنّ ما يقدمه من أجل الآخرين لا يمرّ مرورًا عابرًا دون كلمة شكر أو موقف يعبر عن الامتنان. لكن الحياة اليومية قد تجعل بعض الأعمال تتكرر إلى درجة أنّ أفراد الأسرة يعتادون نتائجها، وينسون الجهد الذي يقف وراءها. الطعام يكون حاضرًا على المائدة، والملابس النظيفة في أماكنها، والمنزل مرتبًا، واحتياجات الأبناء متوافرة، والمواعيد اليومية منظمة. ومع مرور الوقت، قد تبدو هذه الأمور وكأنّها تحدث بصورة تلقائية، لا تحتاج إلى تخطيط أو وقت أو تعب. وهكذا تتحول أعمال ربّة المنزل، التي تتطلب جهدًا بدنيًّا وذهنيًّا وعاطفيًّا، إلى مسؤوليات مألوفة لا يتوقف الآخرون كثيرًا عند حجمها أو قيمتها.
فالإنسان -مهما كان عطاؤه كبيرًا- يحتاج إلى أن يشعر بأنّ الآخرين يلاحظون ما يقدمه. وقد تكون كلمة شكر صادقة سببًا في تخفيف شعوره بالتعب، وقد يكون موقف بسيط من الاهتمام كافيًا ليشعر بأنّه ليس وحده في مواجهة المسؤوليات. ومن الضروري هنا أن نفهم أنّ التقدير لا يعني أن تكون الحياة الأسرية خالية من الملاحظات أو الاختلافات، ولا يعني أنّ كل عمل تقوم به المرأة يجب أن يقابل بالمدح. وإنّما يعني أن يسود التعامل العام الاحترام والإنصاف، وأن تُناقش المشكلات دون انتقاص، وأن يُعترف بالجهود بدلًا من التعامل معها باعتبارها واجبًا لا قيمة له.

خطوات بسيطة لتجديد النشاط البدني لربة البيت

الاهتمام بنفس المرأة ليس أمرًا ثانويًّا يأتي بعد تلبية احتياجات الجميع، بل هو جزء من العناية بالحياة الأسرية نفسها. فالمرأة التي تحصل على وقت للراحة، وتمارس أنشطة تحبها، وتجد من يشاركها المسؤوليات، تكون أمام فرصة أفضل للحفاظ على توازنها النفسي والجسدي. فهنا أمور بسيطة يمكن لربات البيت العمل بها.

الأول: القراءة

من الوسائل البسيطة التي يمكن أن تساعد ربّة المنزل على تجديد نشاطها تخصيص وقت للقراءة، ولو لبضع دقائق يوميًّا. قد تجد المرأة في قراءة صفحات قليلة من كتاب تحبه فرصة للهدوء والتركيز، بعيدًا عن التفكير المستمر في المهام المنزلية، كما أنّ القراءة تعيد إليها الاتصال باهتماماتها الخاصة، وتذكرها بأنّ حياتها لا تقتصر على الأدوار التي تؤديها من أجل الآخرين.

ثانيا: فنجان قهوة أو شاي

قد تبدو فكرة احتساء القهوة أو الشاي في هدوء أمرًا بسيطًا للغاية، لكنها قد تحمل قيمة نفسية مهمة، خصوصًا عندما تكون المرأة معتادة على تناول مشروباتها على عجل، أو أثناء إعداد الطعام، أو بين مهمة وأخرى. يمكن لربّة المنزل أن تعدّ مشروبها المفضل، وتجلس في مكان هادئ، وتبتعد قليلًا عن الهاتف، وتمنح نفسها عشر دقائق من السكون. وقد تختار النظر من النافذة، أو الاستماع إلى صوت المطر، أو التأمل في الحديقة، أو الاستمتاع بضوء الشمس في الصباح. 

ثالثا: الرياضة المنزلية

قد تشعر ربّة المنزل بأنّ الرياضة أمر إضافي لا يتناسب مع كثرة أعمالها، أو أنّها لا تحتاج إلى الحركة؛ لأنّها تقضي يومها في التنظيف والترتيب والانتقال بين الغرف. لكن الأعمال المنزلية، رغم ما تتطلبه من حركة، لا تعوض بالضرورة جميع فوائد النشاط البدني المنظم، كما أنّ الحركة المرتبطة بالواجبات تختلف عن ممارسة نشاط تختاره المرأة لنفسها، وتتحكم في مدته وشدته. 

عمل البيت في الروايات الشريفة

هناك روايات كثيرة حول إجلال الأعمال المنزلية، فلنذكر البعض منها:
قال الإمام الباقر عليه السلام: «الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ غَيْرِ صَالِحٍ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ خَدَمَتْ زَوْجَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ، أَغْلَقَ اللَّهُ عَنْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابِ النَّارِ، وَفَتَحَ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، تَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَتْ.»(2).
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَسْقِي زَوْجَهَا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهَا مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ، صِيَامُ نَهَارِهَا وَقِيَامُ لَيْلِهَا، وَيَبْنِي اللَّهُ لَهَا بِكُلِّ شَرْبَةٍ تَسْقِي زَوْجَهَا مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ، وَغَفَرَ لَهَا سِتِّينَ خَطِيئَةً.»(3).
وهنا رواية جميلة تبيّن لنا مدى أهمية الأعمال المنزلية للنساء في الشريعة الإسلامية. روى أبو البختري عن الإمام الصادق عليه السلام: «تَقَاضَى عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي الْخِدْمَةِ، فَقَضَى عَلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ بِخِدْمَتِهَا مَا دُونَ الْبَابِ، وَقَضَى عَلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا خَلْفَهُ. قَالَ: فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: فَلَا يَعْلَمُ مَا دَخَلَنِي مِنَ السُّرُورِ إِلَّا اللَّهُ، بِإِكْفَائِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَحَمُّلَ رِقَابِ الرِّجَالِ.»(4).


1) وسائل الشيعة / الشيخ الحر العاملي / المجلد: 15 / الصفحة: 175 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) وسائل الشيعة / الشيخ الحر العاملي / المجلد: 14 / الصفحة: 123 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
3) وسائل الشيعة / الشيخ الحر العاملي / المجلد: 14 / الصفحة: 123 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) وسائل الشيعة / الشيخ الحر العاملي / المجلد: 14 / الصفحة: 123 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
 

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة