ربة البيت في الإسلام: كرامةٌ وتقديرٌ ومسؤوليةٌ مشتركة
يُحتفى في الثالث من نوفمبر من كل عام باليوم العالمي لربة البيت، وهي مناسبة تتيح لنا التأمل في قيمة العمل الذي تقوم به المرأة داخل الأسرة، وما تؤديه من جهود يومية في رعاية أفرادها، وتنظيم شؤون المنزل، وبناء بيئة يسودها الحب والاستقرار. فكثيراً ما تُبذل هذه الجهود بعيداً عن الأضواء، ولا تحظى بالتقدير الذي تستحقه، مع أنّها تؤدي دوراً أساسياً في بناء الأسرة وتربية الأجيال.
ومن المنظور الإسلامي، لا يُختزل تدبير المنزل في الأعمال اليومية من طبخ وتنظيف وترتيب، بل يرتبط بمعانٍ أخلاقية وإنسانية وتربوية أوسع، تتصل بالمودة والرحمة وتحمل المسؤولية. غير أنّ الاعتراف بقيمة دور المرأة لا يعني تحميلها وحدها جميع أعباء المنزل، أو النظر إليها باعتبارها مسؤولة عن خدمة الآخرين دون مراعاة احتياجاتها وكرامتها. فسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام تقدم نموذجاً مختلفاً، يقوم على التعاون والتكامل واحترام المرأة، ويؤكد أنّ استقرار الأسرة مسؤولية مشتركة، وأنّ المحبة الحقيقية تظهر في السلوك والمواقف اليومية.
تدبير المنزل مسؤولية مشتركة
تحتاج الحياة الأسرية إلى التعاون والتفاهم بين الزوجين؛ لأنّ إدارة شؤون المنزل ورعاية الأبناء ليستا مسؤولية يمكن أن يتحملها أحد الطرفين وحده دون أن يتأثر الطرف الآخر. فالأسرة الناجحة لا تقوم على توزيع الأدوار بطريقة جامدة، بل على معرفة احتياجات أفرادها، والاستعداد للتعاون، وتحمل كل شخص نصيبه من المسؤولية بحسب الظروف والإمكانات.
وتقدم حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام مثالًا مهماً في هذا المجال. فقد وردت الروايات التي تتحدث عن تقسيم العمل بينهما، بحيث تولت السيدة الزهراء عليها السلام بعض شؤون المنزل، وتولى أمير المؤمنين عليه السلام بعض الأعمال خارج المنزل. ويكشف هذا النموذج عن أهمية التفاهم في تنظيم الحياة الأسرية، وأنّ توزيع المسؤوليات ينبغي أن يقوم على التعاون ومراعاة ظروف الأسرة، لا على اعتبار أحد الزوجين مسؤولًا عن جميع الأعباء.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في بيان ما كان بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين فاطمة عليها السلام من تقسيم للعمل أنّه قال: «إن فاطمة عليها السلام ضمنت لعلي عليه السلام: عمل البيت والعجين والخبز وقم البيت، وضمن لها علي عليه السلام ما كان خلف الباب: نقل الحطب وأن يجئ بالطعام»(1).
إنّ أهمية هذا النموذج لا تكمن في تحويله إلى تقسيم إلزامي ثابت لكل أسرة، بل في الاستفادة من روحه القائمة على التفاهم وتوزيع الأعباء.
أخلاق الزوجية تتجاوز تأمين متطلبات المعيشة
من الأخطاء الشائعة اختزال مسؤولية الزوج في توفير المال والطعام والمسكن، وكأنّ أداء هذه الواجبات المادية يغنيه عن حسن المعاملة والمشاركة العاطفية والاهتمام باحتياجات زوجته. فالحياة الزوجية ليست عقداً لتبادل الخدمات، وإنّما علاقة إنسانية تقوم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل.
وقد جعل الإسلام حسن التعامل مع الأسرة معياراً مهماً في تقييم أخلاق الإنسان، وجاء عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ، وأنَا خَيرُكُم لِأَهلي»(2). وهذا التوجيه يلفت النظر إلى أنّ أخلاق الإنسان لا تظهر في علاقاته العامة وحدها، بل تتجلى بصورة أوضح في تعامله مع أقرب الناس إليه، الذين يشاركونه تفاصيل حياته اليومية.
ومن صور حسن المعاملة ألا ينظر الزوج إلى الأعمال المنزلية باعتبارها أعمالًا بسيطة لا تستحق التقدير. فالطبخ والتنظيف وترتيب المنزل ورعاية الأطفال ومتابعة احتياجاتهم أعمال تتكرر يومياً، وقد تستنزف قدراً كبيراً من الوقت والطاقة، ولا تنتهي بانتهاء ساعات العمل المعتادة. كما أنّ أثرها لا يظهر دائماً في صورة إنجاز ملموس، بل يتجلى في راحة أفراد الأسرة، ونظافة البيئة التي يعيشون فيها، واستقرار حياتهم اليومية.
تدبير المنزل فرصة للنمو المعنوي
يربط المنظور الإسلامي بين العمل النافع والنية الصالحة، ويمنح الجهود التي يبذلها الإنسان في سبيل أسرته قيمة أخلاقية ومعنوية. فالعمل من أجل توفير حياة كريمة للأسرة، ورعاية الأبناء، والاهتمام باحتياجاتهم، يمكن أن يتحول إلى عمل ذي أجر وثواب حين يقترن بالنية الصالحة وأداء المسؤوليات المشروعة.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»(3). ويكشف هذا الحديث عن مكانة السعي لتأمين احتياجات الأسرة، ويؤكد أنّ الجهد المبذول من أجلها ليس أمراً هامشياً أو قليل القيمة، بل هو مسؤولية لها مكانتها في المنظور الديني.
ومن هذا المنطلق، فإنّ ربة البيت التي تبذل وقتها وجهدها في رعاية أسرتها لا ينبغي أن تشعر بأنّ عملها بلا قيمة لمجرد أنّه لا يقترن براتب شهري أو وظيفة خارج المنزل. فالعمل الأسري يسهم في بناء الإنسان، ويهيئ للأبناء بيئة تساعدهم على النمو النفسي والأخلاقي، ويمنح الأسرة قدراً من الاستقرار الذي يصعب تحقيقه من دون تعاون أفرادها.
وفي الوقت نفسه، لا يعني الاعتراف بالقيمة المعنوية لهذا العمل مطالبة المرأة بالتضحية الدائمة براحتها واحتياجاتها. فالأجر والثواب لا ينبغي أن يتحولا إلى وسيلة لتبرير الإرهاق أو حرمان المرأة من الراحة والتعلم والتطور. إنّ الأسرة التي تحترم الجهد المنزلي هي التي تساعد المرأة على أداء دورها من دون أن تهمل صحتها واحتياجاتها الشخصية، ويشارك أفرادها في تخفيف الأعباء عنها كلما أمكن.
كما أن السلوك اليومي داخل المنزل يؤدي دورًا مهماً في التربية. فالطفل الذي يرى والده يحترم والدته ويشاركها في مسؤوليات الأسرة، يتعلم عملياً معنى الاحترام والتعاون والعدل. والطفل الذي ينشأ في بيئة يتبادل أفرادها الشكر، ويعتذرون عند الخطأ يكتسب قيماً أخلاقية لا يمكن ترسيخها بالمواعظ وحدها.
كرامة المرأة تتجاوز أدوارها الأسرية
من المهم، عند الحديث عن ربة البيت، ألا نختزل شخصية المرأة في قدرتها على الطبخ والتنظيف وتربية الأبناء، مهما كانت أهمية هذه الأعمال. فالمرأة إنسان كامل الكرامة، لها احتياجاتها الفكرية والعلمية والروحية، ولها اهتماماتها وقدراتها وطموحاتها التي تستحق الاحترام والرعاية.
وفي هذا السياق، ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: «فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ»(4).
وتحمل هذه العبارة دلالة أخلاقية مهمة في طريقة التعامل مع المرأة؛ إذ تدعو إلى مراعاة طبيعتها وكرامتها، وعدم التعامل معها بوصفها أداة لإنجاز الأعمال أو شخصاً خُلق ليكون في خدمة الآخرين. فالعلاقة الأسرية ينبغي أن تقوم على المودة والرفق، لا على الاستغلال أو فرض الأعباء من دون مراعاة للطاقة والظروف.
ولا يعني ذلك إعفاء المرأة من المسؤولية، أو إنكار دورها في رعاية الأسرة، بل يعني أنّ المسؤولية لا تبرر إهدار كرامتها، وأنّ أداء الواجبات أيضا لا يلغي حقها في الراحة والاهتمام والتقدير. كما لا يجوز اتخاذ هذه العبارة ذريعة لتحديد قدرات المرأة أو منعها من التعلم والعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية، وإنّما ينبغي فهمها في إطار الأخلاق التي تحث على حسن المعاشرة واحترام الإنسان.
ولا ينبغي أن يُفهم الحديث عن جهاد المرأة في الحياة الزوجية على أنه مطالبة لها بتحمل الأذى أو التنازل عن حقوقها. فقد وردعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ»(5)، ويشير هذا الحديث إلى أهمية حسن المعاشرة وأداء المسؤوليات الزوجية، لكن حسن المعاشرة قيمة متبادلة، لا تُبنى إلا حين يحرص الزوج أيضاً على احترام زوجته، وحفظ حقوقها، ومعاملتها بالمعروف.
فالحياة الزوجية الناجحة ليست ميداناً يطالب فيه طرف بالتضحية بينما يكتفي الطرف الآخر بتلقيها، بل علاقة يتعاون فيها الزوجان على بناء حياة مستقرة، ويتحمل كل منهما مسؤوليته تجاه الآخر. وكلما كان التقدير متبادلاً، كانت الأسرة أكثر قدرة على تجاوز المشكلات والحفاظ على المحبة والانسجام.
الخاتمة
إنّ اليوم العالمي لربة البيت فرصة لتقدير جهود المرأة والتأكيد على أن مسؤولية الأسرة لا تقع على عاتقها وحدها، بل تقوم على التعاون والمودة والاحترام المتبادل. وتعلّمنا سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام أنّ تكريم المرأة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بمشاركتها الأعباء، وتقدير جهودها، واحترام كرامتها واحتياجاتها. فالأسرة السعيدة هي التي يتقاسم أفرادها المسؤوليات، ويتعاونون على بناء بيت تسوده المحبة والرحمة والاستقرار.
1. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 43 / الصفحة : 31 / ط مؤسسة الوفاء.
2. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / المجلّد : 14 / الصفحة : 122 / ط الإسلامية.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 5 / الصفحة : 88 / ط الاسلامية.
4. مكارم الاخلاق / رضي الدين الطبرسي / المجلّد : 1 / الصفحة : 218.
5. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 18 / الصفحة : 107 / ط مؤسسة الوفاء.
.jpg/w/600)

.jpg/w/400)

.jpg/w/400)


