الإمام الكاظم عليه السلام ونموذج الأسرة الصالحة
العلاقات الأسرية
منذ 5 ساعاتفي زمنٍ تتعرّض فيه الأسرة المسلمة لهزّات متتابعة، وتضعف فيه الروابط العائلية تحت ضغط الحياة السريعة والمادّية، تبرز الحاجة الملحّة إلى نماذج حيّة تُعيد للأسرة توازنها وروحها.
إنّ سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام ليست حكايات تاريخية تُروى، بل هي منهج حياة صالح لكلّ زمان ومكان. ومن بين هذه النماذج المضيئة، تتجلّى السيرة الأسرية للإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام بوصفها مدرسة متكاملة في بناء الأسرة على أساس الإيمان، والرحمة، والمسؤولية.
فكيف كان الإمام الكاظم عليه السلام يتعامل مع أهله؟ وكيف ربّى أبناءه؟ وكيف وازن بين العبادة والحياة الأسرية؟ هذه الأسئلة تمثّل مفاتيح مهمّة لفهم طريق الإصلاح الأسري في مجتمعنا اليوم، حيث لا غنى لنا عن استلهام هذا النموذج العملي الهادئ والعميق.
صلة الأرحام
إنّ التعرّف على الأقارب نسبيًّا وسببيًّا يُعدّ من أهمّ الأصول في العلاقات الأسرية، ويُعبَّر عنه بـ«صلة الأرحام». وقد أكّد الإسلام تأكيدًا بالغًا على هذا المبدأ، وهدفه استمرار العلاقات القائمة على المحبّة، وأداء الحقوق المتبادلة بين الأقارب.
وقد نُقل عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه كان من أحرص الناس وأشدّهم اجتهادًا في صلة رحمه وأهله وسائر أقاربه، حيث جاء في وصفه: « وكانَ أَوصَلَ الناسِ لأهْلِهِ ورَحِمِهِ » (1).
الاهتمام بالتربية الدينية للأسرة
نشأ الإمام الكاظم عليه السلام في كنف أبٍ عظيم كالإمام الصادق عليه السلام، ولذلك كان على دراية تامّة بأساليب التربية الصحيحة للأبناء. وقد ربّاه والده تربية جعلته يتجاوز حدود اللهو واللعب الطفولي حتى في سنّ الطفولة، بل كانت تصرّفاته وألعابه ذات طابع توحيدي.
وتشهد على ذلك رواية صفوان الجمال، سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ: « إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَلْهُو وَ لَا يَلْعَبُ، وَ أَقْبَلَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى وَ هُوَ صَغِيرٌ وَ مَعَهُ عَنَاقٌ مَكِّيَّةٌ وَ هُوَ يَقُولُ لَهَا: اسْجُدِي لِرَبِّكِ، فَأَخَذَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ ضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَ قَالَ: بِأَبِي وَ أُمِّي مَنْ لَا يَلْهُو وَ لَا يَلْعَبُ » (2).
والملاحظ في هذه الرواية هو الأسلوب العاطفي المشجّع الذي اتّبعه الأب في مقابل السلوك الصحيح لابنه.
التربية الإيمانية بالقدوة العملية
وفي مجال التربية الدينية، تأثّر الإمام الكاظم عليه السلام بوالده الكريم أيضًا. يقول سفيان بن خالد: عن أبي عبد الله عليه السلام انه كان يصلي ذات يوم إذ مر رجل قدامه وابنه موسى جالس ، فلما انصرف قال : « له يا أبت ما رأيت الرجل مر من قدامك؟ فقال : يا بني ان الذي أصلي له أقرب إلي من الذي مر قدامي » (3).
وقد مرّ بنا سابقًا نظير هذه الرواية، غير أنّ الإمام الكاظم عليه السلام هو الذي كان المصلّي فيها، وعند السؤال أجاب الجواب نفسه، وهو ما يمكن اعتباره ثمرة التربية في مدرسة أبٍ كالإمام الصادق عليه السلام. ومن الطبيعي أنّ الإمام الكاظم عليه السلام قد طبّق الأسلوب نفسه في تربية أولاده.
إشراك الأسرة في العبادات
لم يكن الإمام الكاظم عليه السلام يقتصر في العبادة على نفسه، بل كان ـ حيثما أمكن ـ يحرص على إشراك أسرته فيها. ومن ذلك ما رواه علي بن جعفر، أخو الإمام، إذ قال: خرجنا مع أخي موسى بن جعفر عليه السلام في أربع عمر ، يمشي فيها إلى مكة بعياله وأهله ، واحدة منهن مشى فيها ستة وعشرين يوماً ، واخرى خمسة وعشرين يوما ، واخرى أربعة وعشرين يوما ، واخرى أحد وعشرين يوما (4).
مراعاة الحقوق المالية للزوجة
كان الإمام الكاظم عليه السلام شديد الحساسية تجاه حقوق الأسرة، سواء حقوق الزوجة أو الأبناء. وقد مرّ بنا سابقًا أنّه عليه السلام أعاد المال الذي أخذه شعيب العقرقوفي من مال ابنته من دون رضاها وأرسله إلى الإمام.
و عن شعيب العقرقوفي في حديث: أنه بعث مع عبده إلى أبي الحسن بمائتي دينار منها خمسون دينارا أخذها من ابنته بغير رضاها، فلمّا وصلت إلى أبي الحسن أخرج الخمسين و ردّها، و قال للغلام ردّها فإن صاحبتها تحتاج إليها (5).
وتتّضح أهمية هذا الموقف أكثر عند الالتفات إلى طبيعة تعامل الرجال مع النساء في عصر الجاهلية، بل وحتى في بعض العصور اللاحقة للإسلام، إضافة إلى ما يوجد لدى بعض الرجال من استخفاف بحقوق النساء المالية.
مراعاة الآداب المستحبّة المتعلّقة بالأبناء
لم يقتصر اهتمام الإمام الكاظم عليه السلام على الحقوق الواجبة للأبناء فحسب، بل كان يحرص أيضًا على أداء الآداب المستحبّة المتعلّقة بهم. ومن هذه الآداب: الوليمة بعد ولادة المولود.
وقد ورد في بعض الروايات أنّ الإمام الكاظم عليه السلام، بعد ولادة أحد أبنائه، أقام وليمة عامّة في المدينة المنوّرة لمدّة ثلاثة أيّام.
عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: أَوْلَمَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام وَلِيمَةً عَلَى بَعْضِ وُلْدِهِ فَأَطْعَمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الْفَالُوذَجَاتِ فِي الْجِفَانِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَ الْأَزِقَّةِ فَعَابَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَبَلَغَهُ عليه السلام ذَلِكَ فَقَالَ: « مَا آتَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيّاً مِنْ أَنْبِيَائِهِ شَيْئاً إِلَّا وَ قَدْ آتَى مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله مِثْلَهُ وَ زَادَهُ مَا لَمْ يُؤْتِهِمْ قَالَ لِسُلَيْمَانَ عليه السلام هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وَ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآ له : وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (6).
تمكين الأسرة من التمتّع بنِعَم الله
كان الإمام الكاظم عليه السلام يجيز لأسرته ـ في حدود لا تؤدّي إلى الترف ـ الانتفاع بالنعم الطبيعية والزينة الحلال. وقد ورد في بعض الروايات أنّ إماءه كنّ يلبسن ثيابًا ملوّنة ومزخرفة بالصور.
عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى عَلَى جَوَارِي أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام الْوَشْيَ. (7)
الحرص على إبعاد الأسرة عن المعصية
من أهمّ واجبات ربّ الأسرة مراقبة أهل بيته ـ من زوجة وأبناء وخدم ـ لئلّا يقعوا في المعاصي والانحرافات الأخلاقية، وإذا صدر منهم ما لا يليق، وجب عليه اتّخاذ الموقف المناسب.
وتقدّم السيرة الأسرية للإمام الكاظم عليه السلام نموذجًا واضحًا في هذا المجال؛ فقد رُوي عن إحدى زوجاته :
كُنْتُ أَغْمِزُ قَدَمَ أَبِي الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ هُوَ نَائِمٌ مُسْتَقْبِلًا فِي السَّطْحِ، فَقَامَ مُبَادِراً يَجُرُّ إِزَارَهُ مُسْرِعاً فَتَبِعْتُهُ فَإِذَا غُلَامَانِ لَهُ يُكَلِّمَانِ جَارِيَتَيْنِ لَهُ وَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ لَا يَصِلَانِ إِلَيْهِمَا، فَتَسَمَّعَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: «مَتَى جِئْتِ هَاهُنَا»؟
فَقُلْتُ: حَيْثُ قُمْتَ مِنْ نَوْمِكَ مُسْرِعاً فَزِعْتُ فَتَبِعْتُكَ.
قَالَ: «أَ لَمْ تَسْمَعِي الْكَلَامَ»؟
قُلْتُ: بَلَى. فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعَثَ الْغُلَامَيْنِ إِلَى بَلَدٍ، وَ بَعَثَ بِالْجَارِيَتَيْنِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَبَاعَهُمْ (8).
الخاتمة
تُظهر لنا السيرة الأسرية للإمام الكاظم عليه السلام أنّ الأسرة الصالحة لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية الواعية: صلة رحم صادقة، وتربية دينية قائمة على القدوة، واحترام دقيق للحقوق، ومتابعة أخلاقية مسؤولة، مع إفساح المجال للتمتّع بالنِّعم الحلال دون إفراط.
إنّ المجتمع الذي يسعى إلى الإصلاح الحقيقي لا بدّ أن يبدأ من داخل البيت، والإمام الكاظم عليه السلام يقدّم لنا نموذجًا عمليًا للأسرة المؤمنة المتوازنة، التي تجمع بين العبادة والحياة، وبين الحزم والرحمة. وإذا ما أُعيد إحياء هذه القيم في بيوتنا اليوم، فإنّ كثيرًا من أزمات الأسرة والمجتمع ستجد طريقها إلى الحل.
أسئلة وأجوبة
1. ما المقصود بصلة الأرحام في السيرة الأسرية للإمام الكاظم عليه السلام؟
هي الحفاظ على التواصل مع الأقارب نسبيًّا وسببيًّا، وإدامة العلاقات القائمة على المحبّة، وأداء الحقوق المتبادلة بينهم.
2. كيف تجلّى اهتمام الإمام الكاظم عليه السلام بالتربية الدينية للأبناء؟
من خلال تربيته القائمة على التوحيد منذ الطفولة، واعتماده أسلوب التشجيع العاطفي والقدوة العملية في غرس القيم الإيمانية.
3. هل كان الإمام الكاظم عليه السلام يقتصر على العبادة الفردية؟
كلا، بل كان يحرص على إشراك أسرته في العبادات، كما يظهر في سفراته المتعدّدة للعمرة برفقة أهله.
4. كيف تعامل الإمام الكاظم عليه السلام مع الانحراف الأخلاقي داخل الأسرة أو محيطها؟
كان يتّخذ موقفًا حازمًا وسريعًا لمنع استمرار المعصية، مع معالجة الأمر بطريقة تمنع تكرار الخطأ وتحفظ طهارة البيئة الأسرية.
1. الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلد : 2 / الصفحة : 231.
2. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 311 / الطبعة الاسلامية.
3. الإستبصار / الشيخ الطوسي / المجلد: 1 / الصفحة: 407.
4. مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها / العریضي، علي بن جعفر / المجلد : 1 / الصفحة: 18.
5. إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: ۴ / الصفحة ۲۷۳.
6. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 281 / الطبعة الاسلامية.
7. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 453 / الطبعة الاسلامية.
8. قرب الإسناد / الحميري، أبو العباس / المجلد : 1 / الصفحة: 331 / الطبعة الحديثة.








التعلیقات