عيد الغدير في الدول الإسلامية
لطالما كانت السياحة والسفر نافذةً نطلّ من خلالها على جمال خلق الله وتنوع عباده، لكن السفر في مواسم النور والبهجة يكتسب طابعاً روحياً وجاذبية لا تُنسى. فما أجمل أن نحزم أمتعتنا لا لمجرد الاستجمام فحسب، بل لنشهد كيف ينبض قلب العالم الإسلامي بحب أمير المؤمنين (عليه السلام) في “عيد الله الأكبر”. إن التجول بين الحواضر والمدن الإسلامية في أيام الغدير يمنحنا فرصة فريدة للتعرف على عادات الشعوب وتقاليدهم التي صيغت بمداد الولاء والمودة، ويجعلنا نعيش أجواء العيد بعيونٍ جديدة وثقافات متنوعة.
تُقام في كل عام مراسم عيد الغدير الأغر في مختلف الدول الإسلامية بطرق متنوعة، تتخللها احتفالات وبرامج خاصة تليق بهذه المناسبة العظيمة. وفي هذا المقال، نُسلط الضوء على جانب من هذه المظاهر والبرامج في بعض الدول الإسلامية، لنأخذكِ عزيزتي القارئة في جولة ثقافية وإيمانية نستكشف فيها كيف يحتفي المحبون بهذا العهد المجدد في بقاع الأرض المختلفة.
1. المملكة العربية السعودية
يُعد الإسلام الدين الرسمي الوحيد في المملكة العربية السعودية، وينتمي الشيعة هناك إلى المذهب الاثني عشري، ويتركز معظمهم في المنطقة الشرقية من البلاد.
مظاهر الاحتفال في الحسينيات والقرى
عادةً ما تُقام مراسم عيد الغدير في السعودية داخل الحسينيات؛ وذلك لعدم توفر الحرية الكافية للشيعة هناك للتعبير عن واقعة الغدير بشكل علني واسع. وتستمر هذه الاحتفالات في بعض القرى لمدة ليلتين أو ثلاث؛ حيث تُخصص الليلة الأولى عادةً للمحاضرات الدينية وإقامة البرامج الاحتفالية المبهجة. أما الليلة الثانية، فيعتلي فيها الشعراء المعروفون المنصة لإلقاء قصائد في مدح الإمام علي (عليه السلام) وتخليد ذكرى واقعة الغدير. وخلال هذه الليالي المباركة، يتم استقبال الضيوف وإكرامهم بتقديم الحلويات والأطباق التقليدية المكونة من الأرز واللحم.
أجواء العيد في مدينة القطيف
أما في مدينة القطيف السعودية، فيتمتع الشيعة بهامش أوسع من الحرية، مما يتيح لهم إقامة بعض برامج الاحتفال بعيد الغدير في الشوارع والأماكن العامة، حيث تكتسي المدينة حلة من الفرح والسرور ابتهاجاً بهذه المناسبة.
2. مملكة البحرين
تعد البحرين دولة جزرية تقع في قلب الخليج العربي، ويشكل الشيعة نحو 70% من إجمالي سكانها. جرت العادة في البحرين أن تتركز مراسم عيد الغدير بشكل أساسي في يوم واحد.
أجواء البهجة في المساجد والحسينيات
في ليلة العيد، يجتمع الأهالي في المساجد والحسينيات لإقامة احتفالات تملؤها مشاعر الفرح والسرور، حيث تُوزع الحلويات على الحاضرين، ويلقي العلماء والخطباء كلمات تتناول واقعة الغدير وأبعادها العقائدية. ومع إشراقة يوم العيد، يرتدي الناس ملابسهم الجديدة، ويتبادلون الزيارات العائلية لصلة الأرحام وتهنئة الأقارب.
تقاليد اجتماعية وفعاليات ثقافية
من السنن المتبعة لدى الشيعة في البحرين خلال يوم العيد زيارة أهل القبور ترحماً عليهم. أما الأطفال، فينطلقون منذ الصباح الباكر يطرقون الأبواب، حيث يستقبلهم الناس بتقديم “العيدية” التي تدخل البهجة على قلوبهم. وفي المناطق ذات الكثافة الشيعية العالية، تُقام معارض فنية وثقافية متخصصة تتمحور حول موضوع الغدير، لتعريف الأجيال بهذه المناسبة العظيمة.
3. جمهورية باكستان الإسلامية
يُعد الإسلام الدين الرسمي لباكستان، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 180 مليون نسمة، مما يجعلها سادس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ويشكل الشيعة فيها نسبة عشرين بالمئة. وفي باكستان، تحظى الأعياد الثلاثة الكبرى؛ الفطر والأضحى والغدير، بأهمية ومكانة خاصة لدى المسلمين.
الاستعدادات الشعبية المبكرة
يشرع الشيعة في هذا البلد بالاستعداد لإقامة مراسم العيد قبل حلوله بعدة أيام، لضمان خروجه بأبهى صورة وأكثرها جلالاً، كما يقومون بإعداد النشرات الإخبارية لإطلاع الناس على مواعيد وأماكن إقامة الاحتفالات.
الاحتفالات في المساجد والحسينيات
عادةً ما تُقام مراسم العيد في الحسينيات والمساجد الشهيرة، حيث يرتقي المنصاتِ الشعراءُ والرواديد لإلقاء القصائد والمدائح بحق صاحب الذكرى، كما يتحدث طيف من العلماء والروحانيين عن واقعة الغدير وفضائل الإمام علي (عليه السلام)، وسط أجواء إيمانية مفعمة بالولاء.
4. جمهورية العراق
يبلغ عدد سكان العراق أكثر من 31 مليون نسمة، يشكل الشيعة منهم نحو 65%. ويُعد عيد الغدير في العراق مناسبة غالية جداً تتنوع فيها مظاهر الاحتفال.
يوم تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام)
ينظر العراقيون إلى هذا العيد على أنه يوم تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولذا تقام احتفالات مهيبة ومبهرة في رحاب مرقد الإمام علي (عليه السلام) بمدينة النجف الأشرف. في هذا اليوم، تزدان الشوارع بالزينة، وتُوزع المشروبات والحلوى في أرجاء المدن تعبيراً عن الفرح والسرور.
الزيارة المباركة والاحتفاء الرسمي
أما البرنامج الرئيسي لهذا اليوم فهو زيارة مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث يتوافد الناس من مختلف المحافظات العراقية لزيارته والمشاركة في المراسم المقامة داخل الصحن الشريف، والتي يلقي فيها العلماء والخطباء كلمات تتناول فضائل الإمام علي (عليه السلام) وكراماته. ومما يجدر ذكره أنه في السنوات الأخيرة، أُعلن يوم عيد الغدير عطلة رسمية في المدن المقدسة كالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
5. الهند
تُعد الهند بلداً يحتضن عدداً كبيراً من الشيعة الذين يحيون ذكرى عيد الغدير بحماس كبير، حيث تُقام الاحتفالات في مناطق مختلفة، لا سيما في مدينتي دلهي ومومباي.
أمسيات الشعر والتعايش الديني
في ليلة عيد الغدير، يجتمع المحبون في المساجد والحسينيات للمشاركة في محافل إلقاء الشعر والقصائد الولائية. ومن الظواهر المميزة في بعض المناطق الهندية، دعوة المسؤولين الحكوميين والصحفيين وأتباع الديانات الأخرى، مثل الهندوس والجينز، للمشاركة وإلقاء کلمات في هذه المحافل، مما يعكس روح التسامح والارتباط الثقافي.
المسيرات الشعبية والهتافات الحيدرية
أما في يوم العيد، فتمتلئ الشوارع بمسيرات شعبية حاشدة، يرفع فيها المشاركون أصواتهم بالهتافات “الحيدرية” المدوية ابتهاجاً بصاحب الذكرى، كما يقومون بتوزيع المشروبات والحلويات على عامة الناس، في أجواء من الألفة والسرور تعمُّ الأرجاء.
6. تركيا
يبلغ عدد سكان تركيا حوالي 76 مليون نسمة، حيث يشكل المسلمون السنة نحو 75% إلى 85% من السكان، بينما تتراوح نسبة العلويين ما بين 15% إلى 25%. وتتجسد مراسم إحياء عيد الغدير في تركيا من خلال تجمع المؤمنين في المساجد ليلة العيد.
اللقاءات الإيمانية في المساجد
في هذه الليلة المباركة، يلقي العلماء كلمات تتناول أبعاد عيد الغدير وفضائله العظيمة. ومن التقاليد الجميلة في بعض المناطق، تنقّل الأهالي بين المساجد المختلفة والمشاركة الجماعية في إقامة المراسم، مما يعزز روح الوحدة والمودة بين المصلين.
الأضاحي والاحتفالات المركزية
يُعد ذبح الأضاحي وتوزيع لحومها على الناس من البرامج الخاصة والمميزة لعيد الغدير في تركيا، تعبيراً عن الشكر والامتنان لهذه النعمة. وتتركز الاحتفالات الرئيسية في مدينتي إسطنبول وإيغدير. وعلى الرغم من أن هذه المراسم لا تحظى بتغطية إعلامية واسعة في القنوات الرسمية، إلا أنها تُبث عبر بعض الوسائل الإعلامية الخاصة التابعة للعلويين، لتنقل أجواء الفرح والولاء إلى المحبين.
7. أفغانستان
يُعد الإسلام الدين الرسمي في أفغانستان، ويشكل الشيعة ما بين 25% إلى 30% من إجمالي سكان البلاد. وفي كل عام، يُحتفل بعيد الغدير الأغر عبر طقوس ومراسم خاصة في مختلف المناطق الأفغانية، لا سيما في العاصمة كابل ومدينة مزار شريف، التي تحتضن مزاراً تاريخياً يُنسب إلى الإمام علي (عليه السلام).
مجالس الفرح والزيارات المباركة
يحيي أبناء هذا البلد هذا العيد السعيد بإقامة مجالس المحاضرات الدينية، وقراءة المدائح النبوية، والتواشيح الولائية المبهجة. وفي هذا اليوم المبارك، يتوجه أهالي العاصمة كابل لزيارة “مزار سخي” المنسوب إلى أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لتجديد عهد الولاء وإحياء هذه الذكرى العطرة.
عقد المؤاخاة ومكانة السادة الأجلاء
يُعتبر “عقد الأخوة” والمؤاخاة الإيمانية من الآداب والتقاليد المستحسنة والجميلة لدى الشعب الأفغاني في هذا اليوم، حيث يوثق المؤمنون عرى الأخوة الدينية فيما بينهم. ويمتد موسم الأفراح لديهم من عيد الأضحى المبارك حتى عيد الغدير الأغر، حيث يتبادلون الزيارات والتهاني طوال هذه الأيام المباركة.
كما يحظى هذا اليوم بمكانة جليلة ومهابة خاصة لدى السادة من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أفغانستان؛ إذ يحرص أهالي الحي والجيران على زيارة بيوت السادة لتهنئتهم بولاية جدهم أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، ويحصلون منهم على هدايا العيد (العيدية) التي يحتفظون بها بركةً ويُمنًا في بيوتهم.
تقليد “إنشاد المناقب” التراثي
ومن المراسم التراثية المميزة والمحببة في هذا اليوم ما يُعرف بـ “إنشاد المناقب”. وفي هذا المحفل البهيج، يجلس الحاضرون في حلقة دائرية واسعة وسط المسجد أو مكان الاحتفال تاركين مساحة في الوسط، ثم يتقدم الرجل الأكثر خبرة وقاراً ليرفع عصاً خشبية وُضعت في المركز، فيقبلها تبركاً ويبدأ بالتحرك والوقوف في أرجاء الحلقة. وفي هذه الأثناء، يصدح المنشد بصوت جهوري شجي بأبيات شعرية في مدح الإمام علي عليه السلام وفضائله، ومع نهاية كل شطر شعري، يقوم حامل العصا بضربها على الأرض ضربة خفيفة، بينما يرتفع تفاعل الحاضرين في المحفل بالصلاة على محمد وآل محمد والتكبير تعبيراً عن البهجة والولاء.
8. أذربيجان
يشكل الشيعة نحو 75% من سكان أذربيجان، وتُقام احتفالات عيد الغدير في هذا البلد بشكل رسمي منذ عام 1990م.
مظاهر الفرح والعروض التعبيرية
في يوم العيد، يجتمع المؤمنون في القاعات العامة الكبرى لإقامة مراسم احتفالية يملؤها الفرح والسرور، حيث تُوزع الحلويات والمشروبات على المشاركين احتفاءً بهذه المناسبة العظيمة. ومن المظاهر المميزة في بعض المناطق الأذربيجانية، القيام بإعادة تمثيل واقعة الغدير من خلال عروض مسرحية وتعبيرية، تهدف إلى إحياء ذكرى هذا اليوم التاريخي وتجسيد أحداثه في نفوس الحاضرين.
9. الجمهورية الإسلامية الإيرانية
يُعد عيد الغدير من أكبر الأعياد وأكثرها حيويةً وحماساً في إيران، وهو من المناسبات التي تتجلى فيها مشاعر الفرح والولاء لأمير المؤمنين عليه السلام بصورة واسعة في المدن والأحياء.
يبدأ الناس الاحتفال بهذا اليوم منذ عدة ليالٍ قبل العيد، عبر إقامة المواكب في الشوارع والأحياء، وتقديم الشراب والحلويات للمارّة والزائرين. وفي يوم الغدير، يحرص الأهالي على زيارة سادة الحيّ وذوي النسب الشريف، حيث تكون بيوت السادة مفتوحة للجميع، ويستقبلون الزائرين بالحلويات والفواكه، ويقدمون لهم “العيدية” على هيئة مبلغ من المال. ويحتفظ كثير من الناس بهذه العيدية في جيوبهم تبركاً، معتقدين أنها تجلب البركة لأموالهم ورزقهم.
ومن أبرز سنن هذا اليوم في إيران “الإطعام”؛ إذ تقوم الأحياء والأزقة بتوزيع الطعام على الناس على نطاق واسع، حتى يُقال إن أحداً لا يبقى جائعاً في المدينة في يوم الغدير. كما تُقام احتفالات عامة تتضمن المدائح بصوت رواديد أهل البيت عليهم السلام، وتتعالى أصداء الفرح بين الناس مع مظاهر السرور والتصفيق، في أجواء اجتماعية دافئة تُشعر الجميع بأنهم أسرة واحدة تحت راية الولاية.




