اصلاح العلاقة مع الأطفال بعد الغضب عليهم
أن تكون أباً أو أمّاً يعني أن تتولّى أحد أصعب الأدوار في العالم؛ دوراً لا عطلة فيه، ولا مكافأة، ولا طاقة كافية دائماً. ولذلك فمن الطبيعي أن يفقد الوالدان أحياناً السيطرة على مشاعرهما ويرتفع الصوت. لكن ما يؤلم الوالدين حقاً هو شعور الذنب الذي يتبع الصراخ؛ ذلك الإحساس الذي يختبره كثير من الآباء والأمهات في صمت. إصلاح العلاقة مع الأطفال بعد الغضب عليهم من المواضيع الحساسة والعميقة التي تمسّ جوهر العلاقة التربوية بين الأهل وأبنائهم. فالغضب لحظة إنسانية طبيعية قد تصدر من أي والد أو والدة تحت ضغط التعب، أو القلق، أو المسؤوليات الكثيرة، لكن تأثيرها في نفوس الأطفال قد يكون كبيرًا إذا لم تتم معالجتها بطريقة صحيحة. فالطفل، رغم صِغَر سنّه، يملك حسّاً عاطفياً دقيقاً يجعله يلتقط المشاعر الجارحة بدقة، خصوصاً عندما تصدر من أقرب الناس إليه. لذلك، فإن ردّ فعل الأهل بعد نوبات الغضب لا يقلّ أهمية عن الموقف نفسه، لأن طريقة التعامل اللاحقة هي التي تحدّد ما إذا كانت العلاقة سترمم وتقوى، أم ستُصاب بالتباعد.
في الحقيقة، إصلاح العلاقة لا يعني تبرير الغضب أو تجاهله، بل ينطلق من الاعتراف بالخطأ، وتفهّم مشاعر الطفل، وطمأنته بأن حبّ والديه له ثابت لا يتأثر بلحظات التوتر. وهنا تتجلّى التربية الواعية التي تقوم على الصدق والاحترام المتبادل، إذ يتعلّم الطفل من خلال رؤية والديه يعتذران ويتحملان المسؤولية أنّ الخطأ ليس نهاية العلاقة، بل فرصة للتعلّم والنمو العاطفي.
لهذا فمن الضروري أن نتعلم كيفية اصلاح العلاقة مع الأطفال بعد الغضب عليهم.
لماذا يصرخ الوالدان أحيانًا ويصبحان عصبيين؟
يواجه الآباء في ظروف الحياة المختلفة ضغوطاً مثل قلة النوم أو كثرة العمل أو المخاوف المالية، وهذه العوامل يمكن أن تزيد من احتمالية حدوث ردود أفعال انفعالية. ووفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا (1)، غالبًا ما يكرر الإنسان، في المواقف المليئة بالتوتر، سلوكًا غير إرادي اكتسبه أو اختبره في طفولته. ومن ناحية أخرى، يدخل الجهاز العصبي عند الشعور بالتعب أو التهديد بسرعة في حالة الكرّ أو الفرّ فيتوقف الجزء المنطقي من الدماغ عن العمل للحظات. وفي مثل هذه الحالة، يكون الصراخ، رد فعل بيولوجياً لا إرادياً أكثر منه اختياراً واعياً. لذا، إذا فقد الآباء السيطرة على أنفسهم أحياناً، فهذا لا يعني أنهم آباء سيئون؛ بل يظهر أنهم بشر، ومن الطبيعي تحت الضغط أن يصدر منهم ردود أفعال خارجة عن المثالية. تُظهر أبحاث علم نفس أن الصراخ المتكرر يرتبط بمزيد من القلق، وانخفاض احترام الذات، والسلوكيات العدوانية لدى الأطفال. إلا أن العلاقة بين الوالدين والطفل أكثر مرونة من أن تتدمر بسبب خطأ واحد. وهذا ما قاله الإمام زين العابدين عليه السلام: « وأما حق الصغير فرحمته وتثقيفه وتعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له والستر على جرائر حداثته فإنه سبب للتوبة، والمدارأة له، وترك مما حكته فإن ذلك أدنى لرشده » (2).
ماذا يجب فعله بعد الغضب والصراخ على الأطفال؟
ردة فعل سريعة وشديدة كالصراخ والغضب الشديد على الأطفال، غالبا ما إذا يأتي بعدها فعل وزين وجميل كاصلاح العلاقة بين الاثنين، لا تسبب ضررا دائميا بالعلاقة بين الأب والطفل. فالأمر الذي يجب أن نتوجه إليه هو أن أهم شيء بعد رد فعل الوالدين الشديد هو الإصلاح.
مراحل إصلاح العلاقة بين الوالدين والأولاد
لإصلاح العلاقة بين الوالدين والأولاد أربعة مراحل. فلنذكر كلا منها مع توضيح مختصر.
الأول: التوقف والعودة إلى الهدوء
قبل التحدث مع الطفل، يجب أولاً تهدئة الجهاز العصبي للوالد. لأنه لا يمكن للوالدين تهدئة الطفل ما لم يكونوا هم هادئين. للوصول إلى هذه الحالة، هناك عدة طرق سريعة؛ مثل أخذ بعض الأنفاس العميقة والبطيئة، غسل الوجه، أخذ استراحة لبضع دقائق، أو شرب الماء. في مثل هذه اللحظات، من الأفضل تذكر هذه الجملة: « أنا بحاجة للهدوء الآن لأتصرف بشكل أفضل ». أهمية هذه المرحلة تكمن في أن الطفل يجب أن يرى النسخة الهادئة والمتملكة من نفسك، وليس النسخة المضطربة ورد الفعلية، لأن هذا هو النموذج الذي سيتعلمه. وهذا الأمر يمكن أن يكون ما قصده أميرالمؤمنين عليه السلام بقوله: « واقبل العذر ولا تكونن ممن لا ينتفع من الغطة إلا بما لزمه إزالته فان العاقل يتعظ بالادب ، و البهايم لا يتعظ إلا بالضرب » (3).
الثاني: التحدث مع الطفل وإظهار المسؤولية
هذا هو الجزء الأكثر أهمية في عملية الإصلاح. لأنّ الأطفال يشعرون بالأمان عندما يتحمل الوالد مسؤولية السلوك الخاطئ. يمكنك أن تقول لولدك: « لقد كنت غاضباً وارتفع صوتي. أنا آسف. أو كان من حقك أن تشعر بالخوف أو الانزعاج. أو أنا أحبك كثيراً وأنت مهم بالنسبة لي » هذه العبارات والجمل، توصل رسائل حيوية إلى طفلك. أهمها الأمان ومسؤولية الوالد واستعادة العلاقة العاطفية بين الأب والطفل.
لكن يجب أن يكون المدة الفاصلة بين الغضب والتحدث مع الطفل، قصيرا. لأنّ هذه المدة إذا أصبحت طويلة، يمكن أن يشعر الطفل بعدم الأمان أو أنّ والده لا يحبه بعد وهذا الشعور يمكن أن يرتسخ في ضميره. ولهذا جاء في كلام بعضهم مع الإمام الرضا عليه السلام: « قال بعضهم : شكوت إلى أبى الحسن موسى عليه السلام ابنا لي فقال : لا تضربه واهجره ولا تطل » (4).
الثالث: الاستماع لمشاعر الطفل
بعد المراحل المذكورة أعلاه، من المهم معالجة مشاعر الطفل. الآباء الذين يستمعون إلى مشاعر أطفالهم ويعطون لهم الأهمية الكافية، يربون أطفالاً ذا مشاعر عاطفية أكثر وأقوى.
مثلا يمكنكم أن تسألوهم عن مشاعرهم وحسّهم حين غضبكم أو أن تتيح له المساحة ليتقرب منك أو أن تسأله عن ما خطر بباله حين الصراخ والغضب. تذكر أن الهدف ليس أن يقدم الطفل شرحاً منطقياً؛ الهدف هو احترام مشاعره. الأطفال الذين يعتذر لهم آباؤهم، لا يثقون بوالديهم فحسب، بل يُظهرون تعاوناً أفضل، كما يتشكل لديهم احترام ذات أعلى.
الرابع: الحصول على اتفاق للمرات القادمة
يحدث التعلم حين يرى الطفل والديه ينموان أيضًا؛ فالأطفال يتعلمون بالملاحظة أكثر مما يتعلمون بالنصيحة.
وقد قال الإمام زين العابدين عليه السلام حول حقوق الأولاد: « وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته من حسن الادب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والاخذ له منه ولا قوة إلا بالله » (5).
هل يضعف اعتذار الوالدين من سلطتهما؟
يعتقد الكثير من الآباء والأمهات، متأثرين بتربية تقليدية قديمة، أن الاعتذار للأبناء عن خطأ ما قد يؤدي إلى فقدان الهيبة أو تقويض سلطتهم التربوية. يسود لديهم شعور بأن إظهار الضعف البشري أمام الطفل سيجعله أقل احتراماً لهم.
لكن في الحقيقة، إنّ الاعتذار الصادق لا يهدم السلطة، بل يعيد صياغتها على أسس أكثر رسوخاً واحتراماً. الأطفال الذين يرون آباؤهم يعتذرون عن أخطائهم، يطورون مستويات أعلى من الثقة في الوالدين. هذا الاعتذار يكسر حاجز الخوف ويحل محله رابطة قائمة على الأمان العاطفي. إن الاعتذار ليس مجرد كلمات اعتذار، بل هو درس عملي يقدمه الوالدان للطفل حول قيم الحياة الأساسية.
الفرق بين السلطة والاستبداد
يجب أن نفرق بين نوعين من التأثير وهما السلطة الأخلاقية والاستبداد.
السلطة الأخلاقية هي التي تُكتسب من خلال الاحترام المتبادل، كون الشخص قدوة، والصدق هذا النوع من السلطة يزداد قوة عندما نعتذر، لأننا نثبت للطفل أننا عادلون.
لكن الاستبداد يعتمد على الخوف والسيطرة وعدم الاعتراف بالخطأ. هذا النوع يضعف مع مرور الوقت، لأنه يخلق فجوة عاطفية وثأراً صامتاً في نفس الطفل.
هذه كانت جملة أمور ينبغي علينا أن نتوجه إليها حينما نغضب على الأطفال أو نصرخ عليهم. أتمنى أن نحظى بحياة أسرية جميلة.
1) https://www.uoanbar.edu.iq/eStoreImages/Bank/13128.pdf
2) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 270 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
3) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 77 / الصفحة: 213 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
4) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 104 / الصفحة: 99 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
5) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 263 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.


