زواج أميرالمؤمنين عليه السلام بفاطمة الزهراء سلام الله عليها
يُعتبر زواج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها من الأحداث التاريخية الكبرى التي شكّلت نقطة انطلاق لعهد جديد من التوحيد والعدل في تاريخ الإسلام. إنه لم يكن مجرد ارتباط زوجي فحسب، بل كان توافقًا روحانيًا بين معصومين وشخصين منتخبين من قبل الله تعالى.
ولمناسبة حلول اليوم الأوّل من شهر ذي الحجّة المبارك، وهي ذكرى زواج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالسيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، رأينا أن من الجميل أن نروي لكم قصة خطبتهما وزواجهما المبارك، ونتأمّل في الدروس التي يمكن أن نتعلّمها من هذا الزواج العظيم.
حكاية خطوبتهما عليهما السلام
نحكي حكاية خطوبة أميرالمؤمنين عليه السلام بفاطمة الزهراء سلام الله عليها من كتاب الأمالي للشيخ الطوسي رحمة الله عليه: « روى الضحاك بن مزاحم: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: أَتَيْتُ رسول الله صلى الله عليه وآله، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: فَذَكَرْتُ لَهُ قَرَابَتِي وَقِدَمِي فِي الْإِسْلَامِ وَنُصْرَتِي لَهُ وَجِهَادِي. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، صَدَقْتَ، فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِمَّا تَذْكُرُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاطِمَةَ تُزَوِّجُنِيهَا. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا قَبْلَكَ رِجَالٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَرَأَيْتُ الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا، وَلَكِنْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ رِدَاءَهُ وَنَزَعَتْ نَعْلَيْهِ، وَأَتَتْهُ بِالْوَضُوءِ، فَوَضَّأَتْهُ بِيَدِهَا وَغَسَلَتْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا فَاطِمَةُ. فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ، حَاجَتَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَنْ قَدْ عَرَفْتَ قَرَابَتَهُ وَفَضْلَهُ وَإِسْلَامَهُ، وَإِنِّي قَدْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُزَوِّجَكِ خَيْرَ خَلْقِهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ أَمْرِكِ شَيْئاً فَمَا تَرَيْنَ فَسَكَتَتْ وَلَمْ تُوَلِّ وَجْهَهَا وَلَمْ يَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ كَرَاهَةً، فَقَامَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا. فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، زَوِّجْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَهَا لَهُ وَرَضِيَهُ لَهَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، ثُمَّ أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: قُمْ بِسْمِ اللَّهِ وَقُلْ: عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ. ثُمَّ جَاءَنِي حِينَ أَقْعَدَنِي عِنْدَهَا عَلَيْهَا السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا أَحَبُّ خَلْقِكَ إِلَيَّ فَأَحِبَّهُمَا، وَبَارِكْ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمَا مِنْكَ حَافِظاً، وَإِنِّي أُعِيذُهُمَا وَذُرِّيَّتَهُمَا بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ » (1).
المشورة مع البنت
هناك درسٌ مهمّ يمكننا أن نتعلّمه من هذه الخطبة، وهو ضرورةُ مشاورة الفتاة التي يتقدّم إليها رجلٌ لخطبتها، وعدمُ استبداد الأب برأيه. فقد علَّمنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مبدأَ المشورة مع الفتاة واحترامَ رأيها. فعلى الرغم من معرفته التامّة بمقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وفضله، لم يُقدِم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إتمام الأمر دون الرجوع إلى السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها واستطلاع رأيها. وهذا السلوك النبوي يؤكّد أهميةَ التشاور والتفاهم عند اتخاذ قرار الزواج، وضرورةَ أن تقوم العلاقة الزوجية منذ بدايتها على الرضا المتبادل والاختيار الواعي من الطرفين.
عندما تُستشار البنت في قرار زواجها، فهي تُعامل كشخص ناضج له رأي وحقوق. هذا يعزز شعورها بالكرامة والاستقلال وثقتها بنفسها وقدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية وبناء علاقة واعية مع أسرتها قائمة على الثقة وليس الإملاء.
حياء البنت
الحياء خُلُق كريم يدفع الإنسان إلى الابتعاد عن ما يخالف القيم والأخلاق، ويجعله يتصرف بوقار واحترام. فحياء البنت علامة على حسن تربيتها ونبل أخلاقها. فينبغي على جميع بناتنا المؤمنات أن يتحلين بالحياء والوقار. كما فعلت الزهراء سلام الله عليها: « سَكَتَتْ وَ لَمْ تُوَلِّ وَجْهَهَا وَلَمْ يَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ كَرَاهَةً ». لكن الحياء المقصود هنا هو الحياء المعتدل الذي لا يمنع الفتاة من التعبير عن رأيها أو طرح الأسئلة الضرورية لمعرفة الطرف الآخر.
الدعاء عند الزواج والخطوبة
الخطوبة والزواج خطوة مصيرية تؤثر في مستقبل الفرد والأسرة، فإن من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام بها الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى في مرحلة الخطوبة وعند الزواج. فالدعاء يربط الإنسان بخالقه، ويجعله يطلب التوفيق والبركة في اختياره وفي حياته المستقبلية. الزواج ليس مجرد ارتباط اجتماعي، بل هو بناء أسرة واستمرار للحياة الإنسانية، ولذلك يحتاج إلى توفيق إلهي وهداية في الاختيار. فنرى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يدعوا لأميرالمؤمنين عليه السلام وفاطمة الزهراء سلام الله عليها قبل أن يجمع بينهما وبعده.
وهناك أدعية مختلفة للزواج والخطوبة. فلنشر إلى البعض منها. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « من أراد منكم التزويج فليصل ركعتين وليقرأ سورة فاتحة الكتاب وسورة يس، فاذا فرغ من الصلاة فليحمد الله عزوجل وليثن عليه وليقل: اللهم ارزقني زوجة صالحة ودودا ولودا شكورا قنوعا غيورا، إن أحسنت شكرت، وإن أسأت غفرت، وإن ذكرت الله تعالى أعانت، وإن نسيت ذكرت، وإن خرجت من عندها حفظت، وإن دخلت عليها سرت، وإن أمرتها أطاعتني، وإن أقسمت عليها أبرت قسمي، وإن غضبت عليها أرضتني، يا ذا الجلال والاكرام، هب لي ذلك فإنما أسألك ولا أجد إلا ما قسمت لي، فمن فعل ذلك أعطاه الله ما سأل » (2).
مجلس عرس فاطمة الزهراء سلام الله عليها
مجلس عرس فاطمة الزهراء سلام الله عليها كان مجلساً بسيطاً جميلاً مفعماً بالمحبة والسكينة. وعلى الرغم من أنها كانت بنت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والبنت الوحيدة للسيدة خديجة عليها السلام لكنّ مجلس عرسها لم يكن كمجلس كثير من الأشراف. فقد روي: « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دخل على النساء فقال لهن: اني قد زوّجت ابنتي لابن عمّي، وقد علمتن منزلتها مني، وإني دافعها إليه، ألا فدونكن ابنتكن. فقمن فجعلن في بيتها فراشا، حشوه ليف، ووسادة، وكساء خيبيريا، ومخضبا... ثم إن رسول اللّه جاء الى بيته ومعه علي عليهما السّلام، فهتف بفاطمة، فلما أقبلت رأت زوجها مع رسول اللّه! فقال لها رسول اللّه: ادني مني. فدنت منه، فأخذ بيدها ويد علي، فلما أراد أن يجعل كفّها في كفّ علي ضاق صدرها ودمعت عيناها ... فأقبلا حتى جلسا مجلسهما، وحولهما أمهات المؤمنين من وراء حجاب ... فنهضت أسماء فملأت المخضب ماء وأتته به، فغسل النبيّ منه وجهه وقدميه ومجّ فيه. ثم دعا بفاطمة فقامت إليه وعليها ازارها والنقبة فأخذ كفا من الماء فضرب به على رأسها وكفا بين يديها، ثم رش منه على جيده وجلدها ... ثم خرج وأغلق عليهما الباب وانطلق » (3).
بساطة المجلس
البساطة لا تعني إهمال الفرح أو تقليص الجوانب المبهجة، وإنما المقصود منها هو الاعتدال في الإنفاق، وإقامة حفل يليق بالمقام دون إسراف أو تبذير. العرس البسيط هو الذي يغلب عليه الجو الروحي والاجتماعي الجميل، أكثر من البهرجة والمظاهر الزائلة.
وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ (4). وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها » (5).
حين تكون حفلات الزواج بسيطة، يشعر الجميع بالراحة والقبول، بعيدًا عن المقارنة أو الشعور بالنقص.
أما المبالغة في التكاليف، كحفلات ضخمة وفخمة، فهي تؤدي غالبًا إلى إثقال كاهل العائلتين بالديون وإشعال روح التفاخر والمنافسة بين الناس وتحويل الزواج من مناسبة مباركة إلى عرض اجتماعي مكلف. بينما البساطة تعكس حسن الذوق، ووعي العائلة بأولويات الحياة الزوجية أكثر من المظاهر الزائلة.
من أبرز آثار الاقتصاد في الأعراس أنه يسهّل أمر الزواج على الشباب. فكلّما كانت التكاليف معتدلة، زاد الإقبال على الزواج، وقلّت معدّلات التأخّر أو العزوف عنه، خاصة بين من لا يملكون قدرات مالية عالية. أما حين تصبح الأعراس باهظة، فإنها تخلق حاجزًا نفسيًا وماديًا يجعل كثيرين يترددون في الإقدام على هذه الخطوة.
هذه حكاية خطوبة أميرالمؤمنين وفاطمة الزهراء عليهما السلام. نرجوا من الله أن يرزقنا شفاعتهما عليهم السلام.
1) الأمالي / الشيخ الطوسي / المجلد: 1 / الصفحة: 39 / الطبع: دار الثقافة – قم.
2) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 103 / الصفحة: 268 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) موسوعة التاريخ الإسلامي / اليوسفي / المجلد: 2 / الصفحة: 214 / الطبع: مجمع الفكر الإسلامي – قم.
4) سورة الفرقان / الآية: 67.
5) المحجة البيضاء / الفيض الكاشاني / المجلد: 3 / الصفحة: 90 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.



