النساء المدفونات في البقيع

 

يشكل بقيع الغرقد واحداً من أقدس المواضع التاريخية في المدينة المنوّرة، وأعمقها حضوراً في الذاكرة الإسلامية؛ فهو المدفن الذي ضمّ بين جنبيه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والعديد من النساء المؤمنات اللواتي كان لهن أثرٌ بارز في التاريخ الإسلامي منذ بزوغ الدعوة وحتى اتساع دولتها. ولم يكن وجود النساء في هذا المكان المبارك حضوراً عادياً أو ثانوياً، بل يعكس مكانتهن الروحية والاجتماعية، ودورهن في دعم الرسالة المحمدية وخدمة المجتمع المسلم في مراحله التأسيسية.
وتكتسب النساء المدفونات في البقيع قيمةً خاصة لارتباطهن المباشر بسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم؛ منهن بعض زوجاته الطاهرات، وبناته، وأقربائه، إضافة إلى البعض من النساء الأخريات المؤمنات. ورغم أهمية هذه الشخصيات، لا تزال جوانب كثيرة من سيرهن مجهولة لدى كثير من الباحثين والقراء، مما يجعل دراسة أحوالهن وسيرتهن جزءاً أصيلاً من فهم التاريخ الإسلامي بصورة أعمق وأكثر شمولاً.
تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على النساء المؤمنات المدفونات في البقيع، عبر استعراض مكانتهن، وأدوارهن في المجتمع الإسلامي الأول، والظروف التاريخية التي أحاطت بحياتهن ووفاتهن.


هدم قبور أئمة البقيع عليهم السلام


قبل الخوض في صلب الموضوع، من المناسب أن نتكلم قليلا حول هدم قبور أئمة البقيع عليهم السلام. 
هدم قبور أئمة البقيع يشير إلى حادثة محاصرة المدينة سنة 1344هـ، حيث تم هدم أضرحة ومقبرة البقيع بفتوى علماء المدينة، وقاضي القضاة السعودي عبد الله بليهد لعنهم الله، وعلى أثره هدمت مراقد أربعة من أئمة الشيعة: الإمام الحسن المجتبى، والإمام علي بن الحسين السجاد، والإمام محمد بن علي الباقر، والإمام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام. وقد تكررت هذه العملية مرتين على يد الوهابية، الأولى سنة 1220هـ، والثانية سنة 1344هـ، معتمدين في ذلك على فتوى 15 مفتي من المدينة المنورة حيث أجمعوا على حرمة البناء على القبور وضرورة هدمها، وعليه فقد هدموا أماكن ومراقد البقيع. وقد أثار هدم قبور البقيع موجة غضب واحتجاجات في مختلف البلدان الإسلامية، منها إيران، والعراق، وباكستان، ورداً على تدمير الأماكن المقدسة الإسلامية، أعلنت الحكومة الإيرانية في ذلك الوقت يوم حداد عام، ونتيجة لذلك، تم تأجيل الاعتراف بالدولة السعودية التي أُسست حديثاً لمدة ثلاث سنوات (1).


النساء المؤمنات المدفونات في البقيع


هناك الكثير من النساء المؤمنات اللاتي قد دفنوا في البقيع الغرقد. سنحاول ذكر أبرزهنّ وتوضيح مختصر حول سيرتهنّ.


الأولى: فاطمة بنت أسد


فاطمة بنت أسد، بن هاشم بن عبد مناف، أمّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وزوجة أبي طالب، ولدت قبل الهجرة بخمس وخمسين سنة تقريباً، وتوفيت في السنة الرابعة للهجرة في المدينة المنورة. وقد نقل الإمام الصادق عليه السلام حولها رواية جامعة وجميلة: « إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ أُمَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى قَدَمَيْهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ. فَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً كَمَا وُلِدُوا. فَقَالَتْ: وَا سَوْأَتَاهْ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: فَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَكِ كَاسِيَةً. وَسَمِعَتْهُ يَذْكُرُ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ: وَا ضَعْفَاهْ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: فَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَكِ ذَلِكِ ... فَلَمَّا مَرِضَتْ أَوْصَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَمَرَتْ أَنْ يُعْتِقَ خَادِمَهَا وَاعْتُقِلَ لِسَانُهَا فَجَعَلَتْ تُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ إِيمَاءً فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَصِيَّتَهَا. فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ قَاعِدٌ إِذْ أَتَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يَبْكِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَأُمِّي وَاللَّهِ. وَقَامَ مُسْرِعاً حَتَّى دَخَلَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَبَكَى ثُمَّ أَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يَغْسِلْنَهَا » (2).


الثانية: أم البنين


فاطمة بنت حزام الكلابية المعروفة بأمّ البنين، هي زوجة أميرالمؤمنين عليه السلام ووالدة العباس بن علي عليهما السلام، وجعفر، وعبدالله، وعثمان أبناء أميرالمؤمنين عليهم السلام. ورد حولها: « روي أن أمير المؤمنين عليا عليه ‌السلام قال لأخيه عقيل ـ وكان نسابة عالما بأنساب العرب وأخبارهم ـ : انظر الى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارسا. فقاله : تزوج ام البنين الكلابية فانّه ليس في العرب أشجع من آبائها. فتزوجها ، ولما كان يوم الطف قال شمر بن ذي الجوشن الكلابي للعباس واخوته : أين بنو اختي؟ فلم يجيبوه ، فقال الحسين لإخوته : أجيبوه وإن كان فاسقا فإنّه بعض أخوالكم. فقالوا له : ما تريد؟ قال : اخرجوا إلي فانّكم آمنون ولا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم. فسبّوه وقالوا له : قبحت وقبح ما جئت به أنترك سيّدنا وأخانا ونخرج الى أمانك؟ وقتل هو وإخوته الثلاثة في ذلك اليوم » (3).


الثالثة والرابعة: عمّات النبي صلى الله عليه وآله وسلم


اثنتين من عمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهما صفية وعاتكة بنتا عبد المطلب، مدفونتان في مقبرة البقيع.
صفية كانت والدة زبير بن عوام وولدت قبل الهجرة بثلاثة وخمسين عاماً، وهي من المهاجرات الأوليات وكانت لها موقفها البطولية في معركة أحد وخندق. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عاشت صفية في المدينة المنورة حتى توفيت سنة 20 للهجرة ودفنت في البقيع ولها 73 سنة. (4).
وعاتكة بنت عبد المطلب تزوجت من أبي أمية المخزومي والد أم سلمة. لذا يعدّها البعض والدة أم سلمة. وقد ذكر في الكتب التاريخ أنها قد أسلمت في مكة وهاجرت مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة (5). 
وقد ذكر البعض أن عاتكة كانت شاعرة، ونُسب إليها شعر في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم (6).


الخامسة: حليمة السعدية


حليمة السعدية، هي مرضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبيلة هوازن. 
كانت قريش ترسل أبناءها إلى قبائل البادية المحيطة بمكة كقبيلة بني سعد. لإرضاعهم لِما اشتهرت به تلك القبائل من صفاء اللسان ونقاء اللغة، فُعرض النبي صلى الله عليه وآله على حليمة السعدية، فتسلمته، ونشأ في بادية بني سعد. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: « انا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد » (7). وأيضا ورد: « وقدمت حليمة على رسول الله بعد ما تزوج فبسط لها رداءه وأعطتها خديجة أربعين شاة وأعطتها بعيرا. وجاءت إليه يوم حنين فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه » (8).
وبعد عمر طويل، توفيت في السنة الثامنة من الهجرة ودفنت في مقبرة البقيع.


السادسة: زوجات النبي صلى الله عليه وآله


زوجاتُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دُفن عددٌ منهنّ في مقبرة البقيع، لكنّنا أردنا أن نذكر بعضَ النساء المؤمنات المدفونات في البقيع، ومن بينهنّ زوجاتٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عُرفن بالإيمان والتقوى، وهنّ: زينب بنت خزيمة، وهي خامس زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أزواجه القرشيات، ومارية القبطية، وزينب بنت جحش، وصفية بنت حيي، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية المخزومية.


السابعة: أمّ فروة


أمّ فروة هي زوجة الإمام الباقر ووالدة الإمام الصادق عليه السلام. وهي بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. وقال الإمام الصادق عليه السلام حولها: « كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ آمَنَتْ وَاتَّقَتْ وَأَحْسَنَتْ‌ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » (9). وكانت فقيهة وراوية للروايات الشريفة. وحينما توفيت، دفنت في مقبرة البقيع.

 

هؤلاء بعضُ النساء المؤمنات المدفونات في مقبرة البقيع، وقد عرضنا نبذةً مختصرةً من سيرتهنّ العطرة. نتمنّى أن تكونوا قد استفدتم منها.

 

1) بقيع الغرقد (لمحمد أمين الأميني) / المجلد: 1 / الصفحة: 53 / الناشر: نشر المشعر – قم / الطبعة: 1.
2) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 453 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
3) عمدة الطالب (لإبن عنبة) / المجلد: 1 / الصفحة: 357 / الناشر: منشورات الشريف الرضي – قم / الطبعة: 1.
4) سفينة البحار (للشيخ عباس القمي) / المجلد: 5 / الصفحة: 127 / الناشر: منشورات أسوة – قم / الطبعة: 1.
5) الطبقات الكبرى (لإبن سعد) / المجلد: 8 / الصفحة: 36 / الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت / الطبعة: 1.
6) أسد الغابة (لعزّ الدين بن الأثير) / المجلد: 6 / الصفحة: 185 / الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت / الطبعة: 1.
7) أعيان الشيعة (للسيد محسن الأمين) / المجلد: 1 / الصفحة:  / الناشر: دار التعارف – بيرت – الطبعة: 1.
8) أعيان الشيعة (للسيد محسن الأمين) / المجلد: 1 / الصفحة:  / الناشر: دار التعارف – بيرت – الطبعة: 1.
9) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 472 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة