العلاقات الاجتماعية في توجيهات الإمام الحسين عليه السلام
يطمحُ الجميعُ منّا إلى التحلّي بأرقى الآداب في التعامل مع الآخرين؛ لنترك بصمةً إيجابية في قلوبهم. ولكن، يظل التساؤل باقيا: كيف تكونُ آدابنا الاجتماعية في التجمعات والزيارات؟ وكيف نكون أشخاصاً يتمتعون بالرقيّ والوعي الاجتماعي؛ لنكسب مودة الآخرين واحترامهم؟
إنَّ الأخلاق الاجتماعية تحتل مكانةً رفيعة في توجيهات الإمام الحسين (عليه السلام)، ففي كلماته النورانية نجد دعوةً صريحة للإنسان نحو الكرامة، والمروءة، والإحسان، والعفو، وخدمة الآخرين، وتقدير الفرص التي يمنحنا الله إياها. ففي رؤية الإمام الحسين (عليه السلام)، لا تُعدُّ العلاقة مع الناس مجرد روابط اجتماعية عادية، بل هي طريقٌ للتقرب إلى الله تعالى، وزادٌ للآخرة، وسببٌ لنزول الرحمة الإلهية.
ففي هذا المقال، ومن خلال التأمل في بعض روايات الإمام الحسين عليه السلام، نستعرض خمسة أصول جوهرية في أخلاق المعاشرة مع الناس.
١. السخاء والكرامة في العلاقات الاجتماعية
يُعدّ السخاء أساساً راسخاً في بناء العلاقات الإنسانية المتينة ذات المعنى. فعندما نعطي دون انتظار مقابل، فبالتالي تنشأ بيننا وبين الأصدقاء والعائلة وحتى الغرباء روابط أعمق قائمة على الثقة والمودة.
ومن أوائل مبادئ العلاقات الاجتماعية في كلام الإمام الحسين (عليه السلام) مبدأ السخاء، فالسخاء لا يقتصر على بذل المال فحسب، بل هو علامة على عظمة الروح، وكرامة النفس، واهتمام الإنسان بحاجات الآخرين.
يقول الإمام الحسين (عليه السلام) في بيان واضح:
«أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ جَادَ سَادَ، وَمَنْ بَخِلَ رَذُلَ، وَإِنَّ أَجْوَدَ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجُوهُ.»(1).
في هذه الرواية يربط الإمام (عليه السلام) بين الجود والسيادة؛ فالإنسان الكريم يعلو قدره في أعين الناس، لا بسبب ثروته، بل لما يتحلّى به من سموّ الروح وكرم الأخلاق. أمّا البخل فإنه يُصغّر الإنسان ويُفقده قيمته، لأنّ البخيل يريد نعمة الله لنفسه فقط، ولا يلتفت إلى آلام الآخرين وحاجاتهم.
وتأتي في ختام الرواية إشارة أعمق، إذ يقول الإمام: «أَجْوَدَ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجُوهُ»؛ أي إنّ أكرم الناس هو الذي يعطي من لا يتوقع منه نفعاً ولا يرجو منه مقابلاً.
وقد ورث الإمام الحسين (عليه السلام) هذا السخاء والكرم عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله، كما ورد في الحديث النبوي:
«أَمَّا الْحَسَنُ فَأَنْحَلَهُ الْهَيْبَةَ وَالْحِلْمَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَأَنْحَلَهُ الْجُودَ وَالرَّحْمَةَ.»(2).
٢. العفو والصفح في العلاقات الاجتماعية
الأصل الثاني في أخلاق العلاقات الاجتماعية هو العفو والصفح. وقد أظهرت الدراسات أن مسامحة الآخرين يمكن أن تسهم في تحسين الصحة النفسية والعاطفية، بل وحتى الجسدية. فالحياة الاجتماعية لا تستقيم من دون روح التسامح؛ لأنّ الإنسان في تعاملاته اليومية قد يقع في الخطأ، أو القسوة، أو الغفلة، أو الجحود. ولو قوبل كل خطأ بالانتقام، لتحوّل المجتمع إلى ساحة مليئة بالأحقاد والعداوات.
ويقول الإمام الحسين (عليه السلام) في الرواية نفسها:
«وَإِنَّ أَعْفَى النَّاسِ مَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَة.»(3).
إنّ قيمة العفو تظهر بوضوح عندما يكون الإنسان قادراً على الرد والانتقام. فقد يعجز بعض الناس عن الرد، فيلتزمون الصمت اضطراراً، وهذا الصمت لا يُعدّ دائماً عفواً. وأمّا العفو الحقيقي فهو أن يكون الإنسان قادراً على المواجهة واستيفاء حقه، ومع ذلك يختار الصفح بدافع الكرامة والإيمان وسموّ النفس.
٣. حفظ الروابط مع الآخرين حتى في مواجهة الجفاء
ومن المبادئ المهمة الأخرى في أخلاق العلاقات الاجتماعية في كلام الإمام الحسين (عليه السلام) الحفاظ على الروابط مع الآخرين، حتى مع الذين أظهروا جفاءً أو قطعوا العلاقة. ففي الرؤية الدينية، لا تُبنى العلاقة مع الأقارب أو المؤمنين أو الناس عموماً على أساس ردود الأفعال المتبادلة فقط، بل ينبغي للإنسان المؤمن أن يسمو فوق ردود الفعل العادية، وأن يجعل أخلاقه قائمة على الكرامة وطلب رضوان الله.
يقول الإمام الحسين (عليه السلام):
«وَإِنَّ أَوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ.»(4).
ومن النماذج البارزة لجود الإمام الحسين (عليه السلام) وكرمه في مواجهة جفاء الآخرين ما حدث مع جيش الحُرّ. فعندما وصل جيش الحُرّ في منتصف النهار؛ ليمنع الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته من متابعة الطريق، ورأى الإمام ما أصابهم من العطش، أمر أصحابه أن يسقوهم الماء وأن يسقوا خيولهم أيضاً. وقد جاء في الرواية:
«فَقَالَ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ لِفِتْيَانِهِ: اِسْقُوا اَلْقَوْمَ وَ أَرْوُوهُمْ مِنَ اَلْمَاءِ، وَ رَشِّفُوا اَلْخَيْلَ تَرْشِيفاً.»(5).
٤. المبادرة إلى الخير وخدمة الآخرين
من أكثر الأسئلة التي تؤرق الأشخاص الناجحين: إذا كنتُ شخصاً ناجحاً، فلماذا لا أشعر بسعادة أكبر؟
والجواب أن الحياة المقرونة بالنجاح حياة مميّزة، ولكن السعادة الحقيقية تولد حين يخدم الإنسان الآخرين ويشعر بقيمته من خلال نفعه لهم في إطار العلاقات الاجتماعية.
وفي الأخلاق الإسلامية يَرِد هذا المبدأ، بل ما هو أسمى منه، وهو أن يبادر الإنسان إلى فعل الخير، وأن يمدّ يد العون قبل أن يُطلب منه ذلك.
يقول الإمام الحسين (عليه السلام):
«فَمَنْ تَعَجَّلَ لِأَخِيهِ خَيْراً، وَجَدَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ غَداً.»(6).
ولتجلية معنى الجود والسخاء في سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، نذكر قصةً عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، والد الإمام الحسين (عليه السلام):
في يومٍ من الأيام، كان أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) يوزّع مقداراً من التمر على الفقراء، وأرسل قسماً وافراً منه إلى رجلٍ لم يكن يُظهر حاجته أبداً، وفي ذلك اليوم أيضاً ـ على عادته في التعفّف لم يُبدِ أي طلب أو شكوى.
فأثار هذا الموقف اعتراض أحد الحاضرين، فقال: لماذا نُعطي من لم يطلب، ولم يُظهر حاجة؟ ينبغي الآن أن نساعد من تقدّموا بطلباتهم، فإذا جاء هذا الرجل وطلب، أعطيناه مثلهم.
فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام): لا كثَّرَ اللهُ أمثالَك في المسلمين! أنا أُعطي وأنت تبخل! لو أنني أعطيتُ فقط من يسأل ويطلب، لما كان ذلك إنفاقاً، بل كان معاملة!
فقال الرجل متعجّباً: وأيّ معاملة هذه؟! فأنت لا تأخذ منهم شيئاً مقابل التمر!
فقال الإمام (عليه السلام): لو انتظرتُ حتى يُظهروا حاجتهم، لكنتُ قد أخذتُ منهم عزّتهم وكرامتهم، وأعطيتُهم تمراً في مقابل ذلك، وهذا يكون معاملةً لا إنفاقاً؛ لأنّني أكون قد دفعتُهم إلى أن يُريقوا ماء وجوههم، تلك الوجوه التي يضعونها على التراب ساجدين لله، ويتوجّهون بها إليه، ويسألونه حاجاتهم(7).
٥. حاجات الناس نعمة إلهية ومسؤولية اجتماعية
إنّ نظرة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى حاجات الناس نظرة تُعيد تعريف معنى الخدمة. ففي المدرسة الأخلاقية للإمام الحسين (عليه السلام)، قضاء حوائج الناس ليس «فضلاً منك عليهم»، بل هو فرصة يتيحونها لك. وقد بيّن الإمام هذه الحقيقة النورانية بقوله:
«وَاعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْكُمْ، فَلَا تَمُلُّوا النِّعَمَ فَتُحَوَّلَ نِقَماً.»(8).
فإنّ هذه الرواية تغيّر نظرة الإنسان إلى مراجعة الناس له وطلبهم العون منه. فإذا كان لدى الإنسان قدرة مالية أو علمية أو اجتماعية أو إدارية، أو كان يتمتع بوجاهة ومكانة بين الناس، فجاءه الناس لقضاء حوائجهم، فإنّ ذلك علامة على أن الله قد أنعم عليه بنعمة وفتح له باباً ليستعملها في الطريق الصحيح. ومن هنا فإن حاجات الناس تمثّل في الحقيقة فرصة للشكر العملي لهذه النعمة.
والتعبير «فَلَا تَمُلُّوا النِّعَمَ» تعبير دقيق للغاية، فالإمام (عليه السلام) لا يقول: لا تملّوا من الناس، بل يقول: لا تملّوا من النعم. أي إنّ حاجة الناس إليكم هي في حقيقتها نعمة. فإذا لم يقدّر الإنسان هذه النعمة حق قدرها، فقد تُسلب منه أو تتحول إلى نقمة. فالذي يملك القدرة على المساعدة، ثم يتجاهلها، يكون في الحقيقة قد جحد نعمة الله.
1. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 121 / ط مؤسسة الوفاء
2. بحار الأنوار - ط مؤسسة الوفاء جلد: 43 صفحه: 264 نویسنده: العلامة المجلسي
3. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 121 / ط مؤسسة الوفاء
4. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 121 / ط مؤسسة الوفاء
5. وقعة الطف / أبو مخنف الأزديي / الصفحة: 168
6. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 122 / ط مؤسسة الوفاء
7. الحكمة والنصيحة / الشيخ مرتضي مطهري / الصفحة: 231
8. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد: 12 / الصفحة: 369



