تربية الأطفال بالإكراه والإجبار
السيد حسين الهاشمي
منذ 5 ساعاتفي ظلّ التحوّلات الثقافية المتسارعة، وتنوّع مصادر التأثير الفكري والتربوي على الأبناء، يبرز سؤال جوهري يقلق كثيرًا الآباء والمربّين: هل يمكن تحقيق تربية دينية راسخة دون اللجوء إلى الإكراه والإجبار؟ وهل يؤدّي غياب الضغط المباشر إلى ضعف الالتزام الديني، أم أنّ الإيمان الحقيقي لا ينمو إلا في مناخ من الحرية والاقتناع الداخلي؟
يقول البعض إنّ التربية الدينية التي تقوم على القسر قد تُنتج سلوكًا ظاهريًا منضبطًا، لكنها غالبًا ما تعجز عن بناء إيمان حيّ متجذّر في القلب والعقل. فالدين، في جوهره، علاقة وعي ومحبة واختيار، لا مجرّد منظومة أوامر تُمارَس تحت الخوف أو الرقابة.
وفي الطرف المقابل، يقول البعض أنّ الأوامر الإلهية ذات أهمية كثيرة إلى درجة أنه لايمكننا أن نتخلى عنها ونترك أطفالنا وشبابنا أحرارا لايعملون بأية من الأعمال العبادية والدينية. فيجب أن نجبرهم إلى فعل الأعمال العبادية والدينية إذا لم يفعلوها بأنفسهم.
وكلا الفريقين يتمسكون بجملة من الأدلة من الآيات والروايات. فتسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن السؤال المطروح: هل التربية الدينية من دون إجبار ممكنة؟
عدم الإكراه والحرية في الانتخاب
يعتقد البعض أنّه يجب أن يكون الطفل حرّا في انتخابه لدينه وأعماله. والوظيفة الوحيدة التي جعلت على عاتق الآباء هي أن يبيّنوا لأطفالهم وشبابهم العقائد الصحيحة وحقيقية الدين المبين، لكي يتمكن الأطفال والشباب من الإختيار بأنفسهم في حرية كاملة وبدون أيّ إكراه وإجبار. ويتمسكون لهذه العقيدة ببعض من الآيات والروايات. منها الآية الشريفة: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ (1). والآية الشريفة: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ (2). فهاتين الآيتين تبينان لنا أنّ الإكراه أمر مذموم في الشريعة الإسلامية ويجب أن يتمّ التصرف مع الأطفال برحمة ولين في جميع الحالت ولو أنهم لم يختاروا الطريق الحق وإن لم يعملوا بالواجبات الدينية والأعمال التعبدية. وأيضا يتمسكون بعدة من الروايات منها ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وإِقْبَالًا وإِدْبَاراً، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وإِقْبَالِهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِه عَمِيَ » (3). ورواية الإمام الباقر عليه السلام عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُكَرِّهُوا عِبَادَةَ اللَّهِ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ فَتَكُونُوا كَالرَّاكِبِ الْمُنْبَتِ الَّذِي لَا سَفَراً قَطَعَ وَلَا ظَهْراً أَبْقَى » (4). توضيح الرواية أنّ الايغال هو السير الشديد والإمعان في السير والوغول هو الدخول في الشيء. يعني سيروا في الدين برفق وأبلغوا الغاية القصوى منه بالرفق. والمنبَت الرجل الذي انقطع به في سفرة و عطبت راحلته.
لهذا يقول الباحث العالمي للعلوم النفسية الدكتر حسن علي نصرآبادي: « يملك الوالدان خبرةً أكبر في الحياة، في حين أنّ أبناءهم أقلّ تجربةً وأكثر سذاجةً. وعلى الوالدين أن يتيحوا لأبنائهم فرصة اتخاذ القرار بأنفسهم والتصرّف باستقلالية. فأطفال اليوم، بسبب تعرّضهم للفضاء الافتراضي وكمّ هائل من المعلومات، لم يعودوا يتقبّلون أسلوب الأمر والنهي من قبل والديهم. إنّهم بحاجة إلى تفاعل معرفيّ وعاطفيّ وإدراكيّ، وبما أنّهم يطالبون بالاستقلال، فإنّهم لا يتقبّلون القسر والإجبار. وهذا الخلل يؤدّي إلى اتّساع الفجوة بين الوالدين والأبناء، مما يجعل من الضروري والمهم إيجاد ساحات ومجالات في المجتمع تسهم في تقليص هذه الفجوة وتعزيز التواصل بين الطرفين » (5).
الإكراه الشديد والإجبار
في الطرف المقابل يعتقد البعض أنّه يجب على الأبوين أن يجبروا أولادهم على الأعمال العبادية. وإذا علموا أنّ الأطفال لايعملون الأعمال العبادية، يجب عليهم الإجبار حتى إذا وصل إلى مرحلة الضرب والشتم. وقد يتمسكون لهذا الإجبار والإكراه ببعض الآيات. مثل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (6). وأيضا يتمسكون ببعض الروايات. منها رواية الإمام الصادق عليه السلام: « إذا بلغ الغلام ثلاث سنين يقال له سبع مرات: قل لا إله إلا الله، ثم يترك حتى يتم له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوما، فيقال له: قل محمد رسول الله، سبع مرات، ويترك حتى يتم له أربع سنين، ثم يقال له سبع مرات: قل صلى الله على محمد وآله، ثم يترك حتى يتم له خمس سنين، ثم يقال له: أيهما يمينك، وأيهما شمالك؟ فإذا عرف ذلك حول وجهه إلى القلبة ويقال له: اسجد، ثم يترك حتى يتم له ست سنين، فإذا تم له ست سنين صلى وعلم الركوع والسجود، ثم يترك حتى يتم له سبع سنين، فإذا تم له سبع سنين، قيل: له اغسل وجهك وكفيك، فإذا غسلهما قيل له: صلى، ثم يترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له علم الوضوء وضرب عليه، وأمر بالصلاة وضرب عليها، فإذا تعلم الوضوء والصلاة غفر الله لوالديه إن شاء الله تعالى » (7). وقد تمّ التصريح في هذه الرواية بتعليم الشهادتين والوضوء والغسل والصلاة وأيضا بالإجبار على الوضوء والصلاة بعد تعلّمها والضرب على تركها.
وأيضا روى الحسن بن قارن: « سألت الرضا عليه السلام أو سئل وأنا أسمع عن الرجل يجبر ولده وهو لا يصلي اليوم واليومين. فقال: وكم أتي على الغلام؟ فقلت: ثماني سنين. فقال: سبحان الله يترك الصلاة؟ قال: قلت: يصيبه الوجع. قال: يصلي على نحو ما يقدر » (8).
الجمع بين الموردين
حقيقة الأمر أنّ إرخاء العنان والحرية التامة والإجبار والإكراه الشديد الغليظ كلاهما أمران غير مقبولان في الشريعة الإسلامية. ففي كثير من الأمور يجب أن يراعى الطفل وأن يكون الحديث مع الطفل بلين ولطف. لكن في بعض الأمور الحساسة، بعد الحديث والمباحثة مع الطفل والشباب، إذا كان الشاب أو الطفل عنودا ولايقبل الأمر لعناده، يمكن أن يتسعمل بعض الإكراه والإجبار.
الإلزام والإكراه أمر ذو مراتب. يمكن تقسيم هذه المراتب بشكل عام إلى ثلاثة أقسام: الأول دعوة الآخر إلى القيام بعملٍ ما أو تركه، إمّا بالكلام أو بالإشارة. الثاني حملُ الآخر على القيام بعملٍ أو تركه عن طريق التهديد والتخويف، بحيث يُقدم عليه على كرهٍ وإجبار. الثالث إرغامُ الآخر بالقوّة على القيام بعملٍ أو الامتناع عنه.
إنّ الإلزام وحرص الوالدين لا يعني أن يقوم أحد بضرب ابنه أو استخدام أساليب عنيفة تقوم على الفرض والقسر رغم كراهة الطفل لذلك. فهذه الأساليب غالبًا ما تؤدّي إلى نتائج عكسية ولا تكون مجدية. كما أنّ التربية القسرية عادةً ما تفضي إلى ردود أفعال سلبية لدى المتلقّين. إلا في بعض الموارد التي وردت في الرواية مثل الصلاة. فالطفل الذي لايصلي وهو يعلم بوجوب الصلاة لكنه لايصلي عنادا، يجبر حتى يفهم أنّ الصلاة أحد أهمّ الأمور في الشريعة الإسلامية. لكن في غير هذه الموارد، فإنّ الضرب لا يجدي في التربية الصحيحة الراسخة. وقد روي حول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « ما ضرب النبي صلى الله عليه وآله مملوكا قط ولا غيره إلا في سبيل الله، ولا انتصر قط لنفسه إلا أن يقيم حدا من حدود الله » (9).
النتيجة
يبدو أنّه بقدر ما يؤدّي الإكراهُ والإجبارُ والتحكّمُ والفرضُ إلى نفور الأبناء وابتعادهم، فإنّ تبيين الموضوع وشرح أسبابه وفلسفته يمكن أن يبعث في نفوسهم الرغبةَ والاهتمامَ.
وتوصيتُنا للوالدين: إذا كان لأبنائهم تساؤلاتٌ حول الإسلام، فعليهم أن يعرّفوا ابنهم بعالِمٍ في الدين يتميّز بحسن الخلق، ليطرح عليه أسئلته ويتمكّن تدريجيًا من الاهتداء. إنّ اعتماد نهجٍ متوازنٍ قائمٍ على اللين والملاطفة أمرٌ ضروري.
1) سورة البقرة / الآية: 256.
2) سورة آل عمران / الآية: 159.
3) نهج البلاغة (للسيد شريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 503 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
4) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 2 / الصفحة: 86 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
5) https://isfahan.iqna.ir/fa/news
6) سورة التحريم / الآية: 6.
7) الأمالي (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 475 / الناشر: قسم الدراسات الإسلامية لمؤسسة البعثة – قم / الطرعة: 1.
8) وسائل الشيعة (للشيخ حر العاملي) / المجلد: 3 / الصفحة: 13 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – بيروت / الطبعة: 1.
9) سنن النبي (للسيد محمد حسين الطباطبائي) / المجلد: 1 / الصفحة: 129 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 1.








التعلیقات