في زمنٍ أصبحت فيه النصيحة النفسية على بُعد تمريرة إصبع، وتحوّل «الاطمئنان» إلى مقطعٍ مدته ستون ثانية، يصبح السؤال الأهمّ:
هل ما نراه ونسمعه يوميًا على وسائل التواصل يُعالجنا حقًّا… أم يطمئننا مؤقتًا فقط؟
هذا المقال دعوة للتوقّف قليلًا، وللفصل بين الوعي والدعاية، وبين الرعاية الحقيقية والكلمات الجذّابة.

غالبًا ما تمرّين، مثلنا جميعًا، كلّ ليلة وأنتِ تتصفّحين «إكسبلور» إنستغرام، تيك توك، يوتيوب أو X، بسيلٍ من المحتويات:
«نصائح للصحة النفسية»، «إذا كانت لديكِ هذه العلامات فأنتِ مصابة بالاكتئاب»، أو «٥ تمارين يومية لتخفيف التوتر».
محتوى يقدّمه المؤثّرون في مقاطع لا تتجاوز الستين ثانية، وكأنه وصفة جاهزة للحياة وراحة النفس.
وهذه المنشورات تحصد ملايين الإعجابات لسببٍ واحد واضح: لأنها متاحة بسهولة؛ لا تحتاج إلى موعد، ولا تكلّف مالًا، ولا تتطلّب انتظارًا طويلًا.


المدوّنون وانتشار علم النفس السطحي


في وسائل التواصل الاجتماعي، تصادفين صفحاتٍ كثيرة لمدوّنين لا يملكون دراسة أكاديمية ولا خبرة تخصصية، ومع ذلك يبدون آراءهم في كل شيء:
من شؤون الحياة الزوجية، إلى «جذب الآخرين»، و«التفكير الإيجابي»، ووصفات سريعة للسعادة.
محتواهم قصير، مثير، ومبسَّط إلى حدٍّ مخلّ، وهدفه الأساسي هو جذب المتابعين والانتشار الواسع، لا تقديم رعاية نفسية حقيقية.

 

المستشارون الحقيقيون… لكن بوصفات عامّة

 

لا شكّ أنكِ صادفتِ أيضًا في الفضاء الرقمي مستشارين حقيقيين أو أطباء معروفين. نعم، هم مختصّون فعلاً، لكن في عالمٍ يتسابق فيه الجميع للظهور عبر المنصّات، يضطرّ بعضهم إلى تقديم وصفات عامّة لجذب أكبر عدد من المتابعين، ويمزجون المحتوى العلمي بروح «الترند» والانتشار.
هذه المقاطع تجعل النصائح عامة، صالحة للجميع بالشكل نفسه، مع أنّ الحقيقة تقول: لا يوجد مراجعان متشابهان تمامًا، ولا علاج واحد يناسب الجميع.

 

التشخيص الذاتي لدى المتلقّي

 

هنا تبدأ المهمّة الأصعب؛ إذ إنّ كثيرًا من الناس، بعد مشاهدة هذا النوع من المحتوى، يقومون بتشخيص مشكلتهم بأنفسهم، ثم يحاولون تطبيق الحلول وحدهم.
فمثلًا، قد تشاهد أمّ مقطعًا عن «قلق الانفصال عند الطفل»، فتبدأ تلقائيًا بتطبيق ما سمعته وكأنه علاج مؤكّد.
هذا التشخيص الذاتي قد يكون مضلِّلًا، بل وخطيرًا أحيانًا؛ لأنه لا يراعي ظروف الشخص الخاصة، ولا تاريخه الطبي والنفسي، ولا بيئته المعيشية، وهي عوامل أساسية في فهم أي مشكلة نفسية والتعامل معها.

 

ما الفرق في العلاج الحقيقي؟

 

المعالجون والمتخصصون الحقيقيون يملكون تحصيلًا جامعيًا وتدريبًا مهنيًا، ونصائحهم لا تقوم على التجربة الشخصية أو الانطباع العام، بل على أسس علمية وأخلاقيات مهنية واضحة.
هم لا يقدّمون حلولًا جاهزة، بل يرافقون الشخص في مسار العلاج، ويوجّهون العملية العلاجية، ويقدّمون تدخلات مناسبة لكل فرد على حدة.

في المقابل، في شبكات التواصل الاجتماعي، غالبًا ما تكون الانتشارية أهم من الدقة العلمية؛
فالخوارزميات لا تعزّز المحتوى الأكثر صحة، بل الأكثر إثارة وتفاعلًا.
كما أنّ هذا المحتوى يعيد إليكِ غالبًا ما تحبّين سماعه، لا بالضرورة ما تحتاجين إليه فعلًا لتتحسّني.

 

سلبيّات العلاج الذاتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي

 

التمرير اللانهائي يقدّم نصائح مجزّأة ومبعثرة:
فيديو عن أثر كتابة المشاعر، يليه آخر عن «التنفّس الصندوقي»، ثم مقطع عن التخلّي عن الأفكار السلبية، وغيره عن تأثير التأمّل على القلق…
كل ذلك من دون ترتيب، ولا تقييم، ولا مسار واضح.
هذا التشتّت قد يُتعب المتلقّي، ويُربكه، ثم يقوده في النهاية إلى الإحباط؛ إلى درجة أن يترك كل المحاولات نصف منجزة.
أمّا المعالجون المختصّون والموثوقون، فيعملون بطريقة مختلفة تمامًا:
يضعون جدولًا زمنيًا، يقيّمون مستوى الضغط النفسي والإرهاق، ويُعدّلون التدخّلات تدريجيًا ويُراجعونها باستمرار، لا وفق «ترند اليوم»، بل وفق الحاجة الحقيقية للشخص.
ومن جهة أخرى، فإن محتوى المؤثّرين لا يلتزم بالضرورة بالقواعد المهنية.
فالقصص الشخصية قد تُشوَّه أو تُبسَّط، وأحيانًا يشارك متابعون هشّون تفاصيل شديدة الحساسية من حياتهم في التعليقات، من دون وجود دعم حقيقي أو حماية مهنية.

 

متى يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون مفيدة؟

 

مع كل هذه القيود، لا يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي بلا فائدة تمامًا.
فقد أظهرت دراسات أن بعض الأشخاص، وخصوصًا الطلبة، يشعرون عبر المقاطع أو الرسائل الرقمية بأنهم مرئيّون وأن تجاربهم مُعترَف بها.
هذا الإحساس بـ«أنني لست وحدي» قد يُخفّف الشعور بالخجل، وتقليل الخجل هو أحد العوامل المهمّة التي تشجّع الناس على طلب المساعدة.
كما أسهمت حملات التوعية في كسر الصمت حول الصحة النفسية، وأظهرت أن كثيرين يواجهون تحدّيات متشابهة.
ويمكن لوسائل التواصل أيضًا أن تكون بابًا للوصول إلى الموارد:
من معلومات أولية، إلى التعرّف على مختصّين مؤهّلين وحاصلين على تراخيص.
وهذا يُعدّ من الاستخدامات الصحية والمسؤولة لهذا الفضاء.

 

اختاري الرعاية بدل النقر

 

صُمّمت وسائل التواصل الاجتماعي لتقريب الناس من بعضهم، وقد نجحت في ذلك إلى حدٍّ ما.
يمكن أن نشارك شخصًا في أقصى العالم تجربةً واحدة، ونشعر بالتعاطف والتفهّم.
لكن رغم سهولة الوصول والراحة، يبقى لهذا الفضاء حدود واضحة، ولا يمكنه أن يحلّ محلّ الجوانب الجادّة والحاسمة في الرعاية الحقيقية.
في عالم يستطيع فيه أيّ شخص أن يصنع لنفسه أيّ هوية من دون رقابة، يصبح من الضروري أن نلجأ، حين يتعلّق الأمر بصحتنا النفسية، إلى مختصّين مدرَّبين.
أنتِ تستحقّين رعاية متمحورة حولكِ أنتِ، لا عبارات عامّة يُفترض أن تصلح للجميع. 

 

الكلام الأخير

 

وسائل التواصل الاجتماعي قد تفتح باب الفهم الأولي، وقد تمنح شعورًا مؤقتًا بالمشاركة وعدم الوحدة، لكنها لا تستطيع أن تحلّ محلّ العلاج الحقيقي.
العناية بالصحة النفسية ليست تجربة جماعية موحّدة، ولا وصفة جاهزة صالحة للجميع.
إنها مسار فردي يحتاج إلى تشخيص دقيق، ومرافقة مهنية، وتدخّلات تُبنى على احتياج الشخص لا على «ترند اليوم».
إن أحسن استخدام هذه المنصّات هو أن تكون جسرًا نحو المساعدة، لا بديلًا عنها.
وحين تشعرين أن التعب أعمق من أن يُحلّ بمقطعٍ عابر، فطلب المساعدة ليس ضعفًا… بل وعي ومسؤولية.

 

أسئلة وأجوبة

 

1. هل كل محتوى الصحة النفسية على وسائل التواصل مضلِّل؟
ليس بالضرورة، فبعض المحتوى قد يكون توعويًا أو محفِّزًا للتفكير، لكن المشكلة تبدأ حين يُتعامل معه كبديلٍ كامل عن التشخيص والعلاج المتخصّص.

 

2. لماذا يشعر الناس بالراحة بعد مشاهدة هذه الفيديوهات؟
لأنها بسيطة، قريبة من اللغة اليومية، وتُشعر المتلقّي بأنه مفهوم وغير وحيد، لكن هذا الشعور غالبًا يكون مؤقتًا ولا يعالج جذور المشكلة.

 

3. ما خطورة التشخيص الذاتي اعتمادًا على مقاطع قصيرة؟
لأنه يتجاهل الفروق الفردية، والخلفيات النفسية والطبية، وقد يقود إلى قرارات خاطئة أو تأخير في طلب المساعدة المناسبة.

 

4. كيف يختلف دور المعالج الحقيقي عن النصائح العامة؟
المعالج لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يبني خطة علاجية تدريجية، ويراعي حالة الشخص، وحدوده النفسية، ويعدّل التدخلات حسب الاستجابة.

 

5. متى تكون وسائل التواصل مفيدة فعلًا؟
عندما تُستخدم كمصدر أولي للمعلومة، أو كوسيلة للتعرّف على المختصّين، أو لتقليل الشعور بالوصمة والخجل، لا عندما تُستبدل بها الرعاية المتخصّصة.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة