الحدود الشرعيّة: وقايةٌ قبل أن تكون عقوبة
حقوق المرأة
منذ 5 ساعاتلا ينظر الإسلام إلى الحدود بوصفها أدواتٍ للعقاب بقدر ما يقدّمها باعتبارها سياجًا واقيًا يحول دون السقوط في الفاحشة أصلًا. فالفلسفة التشريعيّة للحدود لا تقوم على الإكثار من تنفيذ العقوبة، بل على تقليل الحاجة إليها. إنّ وجود حدٍّ واضحٍ وصارم، معلومٍ في وعي المجتمع، يزرع في النفوس وازعًا داخليًا يسبق الفعل، ويوقظ رقابةً ذاتيّة تجعل الإنسان يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب.
ومن هنا نفهم كيف يخلق الردع الشرعي خوفًا من العاقبة لا يُشلّ الإنسان، بل يهذّب سلوكه، ويمنعه من الانزلاق حين تضعف الإرادة. فكما تحترم المجتمعات القوانين الواضحة فتقلّ فيها الجرائم، كذلك يؤدّي وضوح الحدود الشرعيّة إلى تقليص الجرائم الأخلاقيّة قبل وقوعها. أمّا حين يُرفع هذا السقف الرادع، فإنّ الفاحشة لا تبقى استثناءً، بل تبدأ طريقها نحو الاعتياد.
الحدّ والتعزير في الشريعة
لفهم فلسفة العقوبات الشرعيّة وأثرها في حفظ الحياء العام، لا بدّ من التمييز بين مفهومين أساسيّين في الفقه الإسلامي، وهما الحدود والتعزيرات.
فالـ«حدّ» في أصل معناه اللغوي يدلّ على المنع، ومن هنا جاءت تسميته؛ لأنّه يمنع الإنسان من التجرّؤ على المحرّمات. أمّا في الاصطلاح الشرعي، فالحدّ هو عقوبةٌ مخصوصة حدّد الشارع نوعها ومقدارها وكيفيّتها بشكلٍ صريح، بحيث لا يملك القاضي حقّ الزيادة فيها أو النقصان عنها. فهي عقوبة ثابتة، تستند مباشرة إلى النصّ القرآني أو السنّة القطعيّة، وتُنفَّذ بوصفها حقًّا لله تعالى، لا يخضع للأهواء ولا للظروف الشخصيّة.
في المقابل، يأتي مفهوم التعزير، وهو في اللغة بمعنى التأديب والمنع، وقد يُستعمل أيضًا بمعنى النصرة والإصلاح. أمّا في الفقه، فهو عقوبة لم يحدّد الشارع مقدارها، وترك تقديرها للحاكم الشرعي، ليُراعي فيها طبيعة الجريمة، وحال الجاني، والظروف الزمانيّة والمكانيّة. ومن هنا، فإنّ التعزير يتّسم بالمرونة، ويُستعمل كأداةٍ إصلاحيّة قبل أن يكون وسيلة ردعٍ صارمة.
ويُشكّل هذا التفريق دقّةً تشريعيّة بالغة الأهميّة؛ إذ إنّ الحدود تعبّر عن خطوطٍ حمراء لا يجوز تجاوزها، لما لها من أثرٍ مباشر في حماية القيم الكبرى، كالعِرض والأسرة والأمن الأخلاقي. أمّا التعزيرات، فهي مساحة تدخّلٍ تربويّ وقانونيّ، تُفعَّل لمعالجة الانحرافات التي لم تبلغ مستوى الجريمة الحدّيّة، أو التي تختلف آثارها باختلاف السياقات.
ومن هنا، يتبيّن أنّ الشريعة لم تعتمد منطق العقوبة العمياء، بل أقامت نظامًا متوازنًا يجمع بين الصرامة حين تُهدَّد القيم العامّة، والمرونة حين يكون الإصلاح ممكنًا. وهذا التوازن هو ما يجعل من الحدود والتعزيرات معًا سياجًا واقيًا يحفظ حياء المجتمع، ويصون إنسانيّة أفراده.
تنفيذ الأحكام والحدود في المجتمع
من الأساليب المؤثّرة في تعزيز العفّة وترسيخ الطهارة في المجتمع، تنفيذُ القوانين والحدود الشرعيّة. فالإسلام يؤكّد على عفّة الأفراد وطهارتهم، ويهدف إلى إصلاح الإنسان، وقد فتح في موارد الخطأ والانحراف أبواب الإصلاح والعلاج.
ما دام الذنب لم يتجاوز الإطار الفردي، فإنّ آثاره تبقى في حدوده الضيّقة؛ لأنّ الإسلام لا يسعى إلى كشف ذنوب الناس ولا إلى فضح أخطائهم، بل يحرص على صيانة كرامتهم في المجتمع. أمّا إذا تجاوز بعض الأفراد حدود الله تعالى، وأصبحوا معتدين على حقوق الآخرين، فإنّهم يُعدّون مجرمين، ولمنع انتشار الفساد والانفلات الأخلاقي، شُرّعت لهم عقوباتٌ معيّنة.
من الذنب الفردي إلى الجريمة المهدِّدة للمجتمع
يميّز الإسلام بدقّة بين الذنب الذي يبقى في دائرة الفرد، وبين الجريمة التي تتجاوز صاحبها لتصيب المجتمع بأسره. فالذنب الذي يُستتر به صاحبه، ولا يعتدي على الآخرين، باب التوبة فيه مفتوح، والستر فيه مطلوب. أمّا حين يتحوّل الفعل إلى تهديدٍ لأمن الأسرة، أو وسيلة لإشاعة الفاحشة، فإنّه يخرج من كونه شأنًا شخصيًا، ليصبح قضيةً اجتماعيّة تستوجب المواجهة.
وهنا تتهاوى كثير من الشبهات المعاصرة حول «الحرّيّات الشخصيّة»، إذ ليست كلّ حرّيّة بريئة، ولا كلّ اختيار فرديّ معزولًا عن أثره العام. فحين يُصاب المجتمع في قيمه، وتُهدَّد الأسر في استقرارها، لا يعود الصمت فضيلة، ولا يصبح التدخّل تعدّيًا، بل حمايةً للحقّ العام.
تناسب العقوبة مع قبح الجريمة
وقد جُعل مقدار العقوبة في الإسلام متناسبًا مع قبح الجريمة وفظاعتها. كما أنّ الله تعالى أوجب تنفيذ بعض العقوبات على مرأى من الناس، لما لذلك من أثرٍ رادعٍ لبقيّة أفراد المجتمع. وتجدر الإشارة إلى أنّ تنفيذ هذه الأحكام والعقوبات من اختصاص الحكومة الإسلاميّة.
وقد خُصّصت في المجتمع الإسلامي جهةٌ معيّنة تُعرف بـ«إدارة الحِسبة»، وتتمثّل مهمّة أفرادها في مكافحة أنواع الفساد والانحراف في المجتمع، بالتعاون فيما بينهم، وتُنفَّذ العقوبات والتأديبات من قِبَل هذه الجهة، وتحت إشراف الحاكم الشرعي والمسؤولين في الدولة الإسلاميّة.
الحدود في مواجهة الفاحشة وإشاعة الانحلال
ومن الذنوب التي قرّر الإسلام لها عقوباتٍ خاصّة، إقامةُ العلاقات الجنسيّة غير المشروعة؛ فهذا الفعل مرفوض أخلاقيًّا، ويُعدّ من الكبائر دينيًّا، ويؤدّي اجتماعيًّا إلى فساد المجتمع وانهياره. ومن هنا، كان لا بدّ من مواجهته بمختلف الوسائل الرادعة والوقائيّة.
ومن العقوبات الأخرى ما شُرِّع بحقّ الأشخاص الذين يرمون المؤمنين الصالحين بتهمة العلاقات الجنسيّة غير المشروعة. فقد قال الله تعالى في شأن من يتّهم النساء العفيفات أو الرجال الأطهار بمثل هذه التهمة:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (1).
إنّ الإسلام، من خلال تنفيذ هذا الحكم، يسعى إلى إغلاق الطريق الذي يريد هؤلاء سلوكه لجرّ المجتمع إلى الفساد والانحلال. ولذلك يأمر بأن يُعاقَب من يوجّه هذه التهمة إلى غيره من دون أن يأتي بأربعة شهود بثمانين جلدة، لكي لا يجرؤ أحد بعد ذلك على ارتكاب مثل هذا الفعل؛ لأنّه إذا تُرك المجال مفتوحًا أمام الأفراد الفاسدين لتوجيه أيّ نسبةٍ باطلة، انتشرت حالة الشكّ وسوء الظنّ في المجتمع، وتعرّض تماسك الأسرة واستقرارها للخطر. ومن هنا، فإنّ تطبيق هذا الحكم الإلهيّ يحفظ المجتمع الإسلاميّ من الوقوع في هذه الآفة الخطيرة.
حدود الانحراف الجنسي وتهديد الفطرة الإنسانية
ومن الذنوب الأخرى التي جعل الله تعالى لها حدًّا وعقوبة، جريمةُ اللواط وممارسةُ الشذوذ الجنسي. فالميولُ الجنسيّة المنحرفة، سواء كانت بين الرجال أم بين النساء، تُعَدّ من أسوأ الانحرافات الأخلاقيّة التي تُشكّل منبعًا لكثيرٍ من المفاسد في المجتمع. ولم يذكر القرآن الكريم عقوبةً تفصيليّةً صريحةً لهذه الجريمة، غير أنّه وصفها في موارد عدّة بأنّها من أعظم وأقبح الذنوب.
قال تعالى: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ (2)، وقال سبحانه: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (3).
حين تغيب الحدود… تتآكل الحواجز الأخلاقيّة
إنّ التراخي في تطبيق العقوبة لا يقف عند حدّ التساهل الظاهري، بل يتسلّل أثره إلى أعماق النفوس، فيجرّئ الضعفاء، ويُميت الحياء بالتدريج. فالإنسان بطبعه يتأثّر بالمناخ العام، وحين يرى أنّ الخطأ لا يُواجَه، وأنّ الفاحشة تمرّ بلا مساءلة، يضعف الشعور بخطورتها، وتخبو حساسيّة الضمير تجاهها.
وهكذا تبدأ الفاحشة سرًّا، ثم لا تلبث أن تتحوّل إلى علن، ثم تُغلَّف بخطاب التبرير، حتى تُقدَّم بوصفها خيارًا شخصيًا أو ثقافةً سائدة. وكلّما غاب الردع، تراجعت هيبة القيم، وتحطّمت الحواجز الأخلاقيّة التي كانت تمنع الانحدار الجماعي، ليصبح ما كان مرفوضًا بالأمس مألوفًا اليوم.
الحدود الشرعيّة حمايةٌ للمرأة لا قيدٌ عليها
في قلب هذا التشريع، تقف المرأة بوصفها أوّل من يستفيد من الردع الشرعي، لا بوصفها طرفًا مُقيَّدًا به. فحدّ القذف، مثلًا، لم يُشرَّع إلا ليصون سمعة المرأة، ويحمي شرفها من الألسنة العابثة والاتهامات السهلة. وحدّ الزنا ليس عقوبةً موجّهة ضدّها، بل سياجٌ يحفظ جسدها وكرامتها من أن تتحوّل إلى سلعة في سوق الشهوات.
والحقيقة المؤلمة أنّ المرأة هي أوّل ضحيّة لانفلات الغرائز، وأشدّ من يدفع ثمن غياب الردع؛ إذ يُلقى العبء عليها، وتُترك وحيدة في مواجهة نتائج الفوضى الأخلاقيّة. من هنا، فإنّ الحدود الشرعيّة تمثّل لها مظلّة أمان، لا قيدًا خانقًا، وحمايةً إنسانيّة قبل أن تكون حكمًا فقهيًا.
حين تُلغى العقوبة… من يدفع الثمن؟
حين تُرفع العقوبة من منظومة القيم، لا يختفي الخطأ، بل يتغيّر موقع الضحيّة. فغياب الردع يفتح الباب أمام تفكّك الأسرة، ويُسهِم في تطبيع العلاقات المحرّمة، ويُضاعف مظاهر العنف الجنسيّ، لأنّ الجريمة حين لا تُواجَه، تتكاثر وتتشجّع.
ومع الوقت، ينهار الحياء العام، وتفقد القيم قدرتها على الضبط، ليعيش الناس في خوفٍ صامتٍ على أعراضهم، وأبنائهم، واستقرار بيوتهم. إنّ السؤال الحقيقي ليس: لماذا وُجدت العقوبة؟ بل: من يتحمّل كلفة غيابها؟
1. سورة النور / الآية: 4.
2. سورة النمل / الآية: 54.
3. سورة العنكبوت / الآية: 28.









التعلیقات