قصّة السيّدة شَطيطة وعناية الإمام موسى الكاظم عليه السلام
نساء خالدات
منذ 5 ساعاتكانت السيّدة شَطيطة من النساء المؤمنات الصالحات الفاضلات اللواتي عِشن في زمن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكانت لها محبّةٌ وولاءٌ خاصّان للإمام عليه السلام، ولذلك حظيت بعنايته ولطفه. ومن مظاهر هذا اللطف أن بعث إليها الإمام لباس خِلعة، وحضر بنفسه جنازتها ليقيم عليها صلاة الميّت قبل دفنها. وفي يومنا هذا صار مرقد هذه السيّدة محلّ عناية وزيارة الناس.
ليست قصّة السيّدة شَطيطة حكايةً تاريخيّة تُروى ثم تُنسى، بل هي درسٌ حيّ لكلّ قلبٍ مؤمن يبحث عن الصدق والإخلاص في زمن كثرت فيه الادّعاءات. تخبرنا هذه القصة أنّ قيمة العمل لا تُقاس بكثرته، بل بنيّته، وأنّ الدرهم القليل إذا خرج من قلبٍ صادق قد يكون عند الله أثقل من آلاف الدنانير. كما تعلّمنا أنّ الثبات على الحقّ يحتاج إلى بصيرة وشجاعة، خاصّة حين تتبدّل المواقف ويزيغ الكثيرون.
من هي السيّدة شَطيطة؟
شَطيطة النيسابوريّة، المعروفة بـ«بي بي شَطيطة»، هي امرأة عاشت في القرن الثاني الهجري في مدينة نيسابور. وبحسب الروايات الدينيّة، فإنّ الإمام موسى الكاظم عليه السلام ـ وهو من أئمّة الشيعة ـ قبل هديّةً قدّمتها له. ويوجد اليوم لها مرقد في مدينة نيسابور بخراسان يُعرف باسم «مرقد بي بي شَطيطة»، ويقع قبرها تحت سقف بقعة بي بي شَطيطة في الجهة الشماليّة الغربيّة من نيسابور.
وقد نُقل أنّه من بين كثرة الأموال والبضائع الثقيلة التي أُرسلت إلى المدينة بعنوان سهم الإمام، لم يقبل الإمام موسى الكاظم عليه السلام إلّا النقد البسيط الذي كان درهماً واحداً، وغزل اليد الذي قيمته أربعة دراهم، واللذين قدّمتهما شَطيطة النيسابوريّة.
عناية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الخاصّة بالسيّدة شَطيطة
ذكر العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، وابن شهرآشوب في المناقب، والبحراني في مدينة المعاجز، وقطب الراوندي في الخرائج هذا الحديث الذي يدلّ على أنّ السيّدة شَطيطة كانت محلّ عنايةٍ خاصّة من الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.
اجتمع شيعة نيسابور في زمن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، واختاروا محمّد بن علي النيسابوري ليحمل الأموال والحقوق الشرعيّة إلى الإمام، مع دفترٍ مختوم يضمّ مسائل فقهيّة لاختبار الإمام الحقّ. وفي طريقه، أعطته السيّدة الزاهدة شَطيطة درهمًا واحدًا وقطعة قماش قائلة: «إنّ الله لا يستحيي من الحقّ». وبعد أن تبيّن له بطلان دعوى عبد الله الأفطح، هداه غلام إلى الإمام الكاظم عليه السلام، الذي كشف له علمه وإمامته وأخبره بما حمله، حتّى بدرهم شَطيطة ووزنه.
قبل الإمام درهم شَطيطة وحده، وردّ سائر الأموال، وأرسل لها سلامه وكيسًا فيه أربعون درهمًا وقطعة من كفنه، وأخبر بوفاتها بعد تسعة عشر يومًا، وأنّه سيصلّي على جنازتها. وعند عودة المبعوث، انحرف بعض الناس إلى مذهب الفطحيّة، بينما ثبتت شَطيطة على الحقّ، ووقع ما أخبر به الإمام بدقّة، فكانت قصّتها شاهدًا على صدق الإمامة وكرامة الإخلاص، وإن قلّ العمل.
والآن ننقل نصَّ هذه الرواية كما وردت:
انه اجتمعت عصابة الشيعة بنيسابور واختاروا محمد بن علي النيسابوري فدفعوا إليه ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم وشقة من الثياب ، وأتت شطيطة بدرهم صحيح وشقة خادم من غزل يدها تساوي أربعة دراهم فقالت : إن الله لايستحيي من الحق ، قال : فثنيت درهمها وجاؤا بجزء فيه مسائل ملء سبعين ورقة في كل ورقة مسألة وباقي الورق بياض على كل حزام خاتم ، وقالوا : ادفع إلى الامام ليلة وخذ منه في غد ، فان وجدت الجزء صحيح الخواتيم فاكسر منها خمسة وانظر هل أجاب عن المسائل ، فان لم تنكسر الخواتيم فهو الامام المستحق للمال فادفع إليه ، وإلا فرد إلينا أموالنا.
فدخل على الافطح عبدالله بن جعفر وجربه وخرج عنه قائلا رب اهدني إلى سواء الصراط ، قال : فبينما أنا واقف إذا أنا بغلام يقول : أجب من تريد ، فأتى بي دار موسى بن جعفر فلما رآني قال لي لم تقنط يا أبا جعفر؟ ولم تفزغ إلى اليهود والنصارى؟ إلي فأنا حجة الله ووليه ، ألم يعرفك أبوحمزة على باب مسجد جدي ، وقد أجبتك عما في الجزء من المسائل بجميع ما تحتاج إليه منذ أمس ، فجئني به وبدرهم شطيطة الذي وزنه درهم ودانقان الذي في الكيس الذي فيه أربعمائة درهم للوازوري ، والشقة التي في رزمة الاخوين البلخيين.
قال : فطار عقلي من مقاله ، وأتيت بما أمرني ووضعت ذلك قبله ، فأخذ درهم شطيطة وإزارها ، ثم استقبلني وقال : إن الله لايستحيي من الحق يا أبا جعفر أبلغ شطيطة سلامي وأعطها هذه الصرة وكانت أربعين درهما ثم قال : وأهديت لها شقة من أكفاني من قطن قريتنا صيدا قرية فاطمة ، وغزل اختي حليمة ابنة أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، ثم قال : وقل لها ستعيشين تسعة عشر يوما من وصول أبي جعفر ووصول الشقة والدراهم ، فأنفقي على نفسك منها ستة عشر درهما ، واجعلي أربعة وعشرين صدقة عنك وما يلزم عنك ، وأنا أتولى الصلاة عليك ، فاذا رأيتني يا أبا جعفر فاكتم علي ، فانه أبقى لنفسك ، ثم قال : واردد الاموال إلى أصحابها ، وافكك هذه الخواتيم عن الجزء وانظر هل أجبناك عن المسائل أم لا من قبل أن تجيئنا بالجزء؟ فوجدت الخواتيم صحيحة... (1)
مرقد السيّدة شَطيطة
يُعَدّ مرقد السيّدة شَطيطة من المعالم المشهورة في مدينة نيسابور، وهو مدفن «السيّدة شَطيطة»، إحدى النساء الفاضلات في نيسابور، التي حظيت بعناية خاصّة من الإمام موسى الكاظم عليه السلام في القرن الثاني الهجري.
وكان آخر بناءٍ للمرقد عبارة عن مبنى صغيرٍ مربّع الشكل، مسقوف، مصنوع من اللَّبن والطين، يقع في زاوية مقبرةٍ قديمة، ويعود تاريخه إلى ما يقارب مئتي إلى ثلاثمئة سنة. وفي وسط البناء حجرُ شاهدٍ صغير، يُحتمل أنّ اسم السيّدة كان منقوشًا عليه، وفوقه جدار أبيض عموديّ على هيئة محرابٍ أو طاقٍ رمزيّ.
وقد حُوّلت المقبرة القديمة المحيطة بالبقعة عام 1372 هـ.ش ضمن مشروع التنظيم الحضري إلى مساحة خضراء عامّة أو ساحةٍ مدنيّة، وبسبب وقوع مرقد السيّدة في وسطها عُرفت باسم «ساحة بي بي شَطيطة».
وأمّا أبرز الزخارف في المرقد الحالي فتشمل المرايا المزيّنة للواجهة الداخليّة للقبّة، ولوحتين من الكاشي المعرّق على جانبي المدخل الرئيسي في الجهة الجنوبيّة الغربيّة. وقد كُتبت في اللوحة الواقعة في الجهة الشرقيّة تواريخ ولادة المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، وفي اللوحة الواقعة في الجهة الغربيّة تواريخ وفاتهم أو شهادتهم، وذلك بالتاريخ الهجري القمري.
الختام
تكشف لنا قصّة السيّدة شَطيطة أنّ الطريق إلى الله يبدأ بالصدق، ويُتوَّج بالثبات على الحقّ، مهما كان الثمن. لقد قُبل درهمها الصغير وردّت الأموال الكثيرة، لأنّ الميزان عند الله هو النيّة والإخلاص. كما تؤكّد الرواية أنّ الإمام الحقّ يُعرَف بعلمه الإلهيّ وبصيرته، وأنّ من ثبت معه نال العناية والكرامة في الدنيا والآخرة. وهكذا بقي اسم شَطيطة خالدًا، شاهدًا على أنّ العمل القليل إذا صاحبه الإيمان الصادق، يصنع أثرًا عظيمًا لا يزول.
أسئلة وأجوبة
1. من هي السيّدة شَطيطة؟
هي امرأة مؤمنة زاهدة من نيسابور عاشت في زمن الإمام موسى الكاظم عليه السلام.
2. ما الذي قدّمته شَطيطة للإمام؟
قدّمت درهمًا واحدًا وقطعة قماش باعتبارهما حقّ الإمام في ذمّتها.
3. لماذا قبل الإمام درهم شَطيطة فقط؟
لصدق نيّتها وإخلاصها، لا لقيمة المال.
4. ماذا قال الإمام في شأنها؟
أرسل لها سلامه، وبشّرها بوفاتها، ووعد بالصلاة على جنازتها.
5. ما الدرس الأهمّ من قصّتها؟
أنّ الإخلاص والصدق أعظم من كثرة العمل أو المال.
1. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / جلد : 48 / صفحه : 74 / الطبعة دارالاحیاء التراث








التعلیقات