السهرُ الصامت: كيف يسرق اضطراب النوم صحّتَنا؟
إنّ الحصول على نومٍ ذي جودة عالية له أثر كبير في تعزيز عمل الجهاز المناعي وزيادة العمر المتوقع. ومن المهم أن ننتبه إلى أنّ قلّة النوم قد تؤدّي إلى العديد من الأمراض، وفي معالجة هذه المشكلات يمكن الاستعانة بخدمة التمريض المنزلي عند الحاجة. وسنستعرض في ما يأتي جملة من النقاط المتعلّقة بالنوم السليم.
أهمية النوم الجيّد للصحة
إنّ النوم الجيّد والمنتظم ضرورة أساسية لصحّة كل إنسان. ومع ذلك، يعاني الكثيرون في مختلف الأعمار من نومٍ غير كافٍ أو غير ذي جودة. وربما لا يشكّل السهر أو ليلة واحدة بلا نوم خطراً كبيراً، لكنّ استمرار اضطراب النوم وسوء جودته قد ينعكس سلباً على الصحة مع مرور الوقت، ويترك آثاراً مؤذية على الجسد والنفس. وحتى في مرحلة الطفولة ينبغي الالتفات جيداً إلى أسباب ارتجاف الطفل أو اضطرابه أثناء النوم.
ما هي جودة النوم؟
تشير الأبحاث إلى أنّ النوم المريح والعميق يُعدّ من أقوى الوسائل لتعزيز صحة الإنسان، وليست هذه حقيقة مبالغاً فيها. ففي أثناء النوم ينشغل الجسم بعمليات مهمّة من الترميم وإعادة البناء، وهي عمليات أساسية لمقاومة الأمراض، وتسريع شفاء الجروح، والتخفيف من الضغوط اليومية.
في هذا السياق، تُذكّرنا الآية الكريمة: « وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا » (1) بأنّ النوم نعمة إلهيّة عظيمة، جعله الله تعالى راحةً للجسد وقطعاً عن مشاغل اليوم ليستعيد الإنسان فيها طاقته وقوّته. وهذه الحقيقة القرآنيّة تتوافق مع ما توصّلت إليه الدراسات الحديثة حول دور النوم العميق في الترميم، وتقوية المناعة، وتجديد نشاط الإنسان، مما يؤكّد أنّ العناية بالنوم ليست رفاهية بل ضرورة فطريّة أرادها الله تعالى لسلامة الإنسان وصحّته.
فوائد النوم الجيّد
إنّ النوم الهادئ والمريح وذي الجودة العالية يحمل فوائد كثيرة، منها الوقاية من بعض أنواع السرطان، وتقليل الدهون في الجسم، والتخفيف من القلق والتوتر. وفيما يأتي أبرز هذه الفوائد:
1. الوقاية من السرطان من خلال النوم الجيّد
يرى الباحثون أنّ قلّة التعرّض لضوء الشمس قد يؤدي إلى انخفاض مستوى الميلاتونين، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم دورة النوم واليقظة، ويُسهم أيضاً في مواجهة السرطان والحدّ من نموّ الأورام. لذلك من المهم أن تكون غرفة النوم مظلمة، وأن يُتجنّب استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم كي لا يتسبّب ذلك في اضطراب إنتاج الميلاتونين في الجسم.
2. تقليل التوتر من خلال النوم المريح
إنّ نقص النوم العميق يزيد مستويات التوتر في الجسم، ممّا يؤدّي إلى ارتفاع ضغط الدم وإفراز هرمونات التوتر. وهذا الارتفاع قد يرفع من خطر التعرّض للنوبة القلبية أو السكتة الدماغية، كما أنّ هرمونات التوتر تجعل عملية النوم أكثر صعوبة. ومن هنا تأتي أهمية تعلّم تقنيات الاسترخاء التي تساعد على مواجهة آثار التوتر والخلود إلى النوم بسرعة أكبر.
3. تخفيف الالتهابات عبر تحسين جودة النوم
إنّ زيادة هرمونات التوتر الناتجة عن قلّة النوم ترفع مستوى الالتهاب في الجسم، وهذا ما يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب، وبعض أنواع السرطان، ومرض السكري. وتشير الدراسات أيضاً إلى أنّ مستويات الالتهاب ترتفع مع التقدم في العمر. كما أنّ البروتينات الالتهابية تكون أعلى لدى الأشخاص الذين ينامون أقل من ست ساعات ليلاً مقارنةً بمن يحظون بنومٍ كافٍ ومكتمل.
4. تأثير النوم الجيّد على اليقظة
إنّ النوم الجيّد في الليل يمنحك طاقة كافية لليوم التالي. فالشعور بالنشاط والحيوية لا يمنحك فقط إحساساً أفضل، بل يزيد أيضاً من احتمال نومٍ أعمق في الليلة اللاحقة. بعد ليلة مريحة، استيقظي مستبشرة واستثمري تلك الطاقة في أعمالك اليومية، وأنشطتك المختلفة، والتفاعل مع محيطك. وهكذا تنعمين بنومٍ أفضل في الليل وترتفع مستويات طاقتك طوال النهار.
5. تحسين الذاكرة من خلال رفع جودة النوم
لم يفهم الباحثون تماماً سبب حدوث الأحلام، لكنّهم توصّلوا إلى أنّ النوم يلعب دوراً أساسياً في تثبيت الذاكرة. ففي أثناء النوم، يستريح الجسد، بينما يواصل الدماغ عمله في معالجة أحداث اليوم، وربط الوقائع بالمشاعر والمدخلات الحسية والذكريات. ويُعدّ النوم العميق مرحلة مهمّة جداً لدماغك في بناء الذاكرة وتعزيز الروابط العصبية، مما يساعدك على تذكّر المعلومات بشكل أفضل وأوسع.
6. تأثير النوم الجيّد في التحكم بالوزن
أظهرت الدراسات أنّ الأشخاص الذين ينامون أقل من ثماني ساعات ليلاً أكثر عُرضة لزيادة الوزن أو السمنة. وقد بيّن الباحثون أنّ قلّة النوم تُربك التوازن الهرموني المسؤول عن تنظيم الشهية، فيؤثر ذلك سلباً على وزن الجسم وصحته.
آداب النوم وفراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ثلاثة حلول للحصول على نومٍ عالي الجودة
إذا كنتِ تبحثين عن وسائل تساعدك على نومٍ أفضل وأعمق وأطول، فإليك مجموعة من النقاط التي يمكنكِ اعتمادها ضمن برنامج نومك اليومي.
1. نظام غذائي مناسب لنومٍ مريح
أول خطوة لتحسين جودة النوم هي مراجعة النظام الغذائي. فكثيرون لا يدركون أنّ نوع الغذاء لا يؤثر فقط في شعورهم خلال النهار، بل يترك أثراً واضحاً أيضاً على نوم الليل.
إنّ الأطعمة الغنية بالسكر والكربوهيدرات المكرّرة ترفع نسبة السكر في الدم وتُخلّ بتوازنها، وهذا قد يُضعف طاقتك ويؤثر سلباً على دورات النوم. ونتيجة ذلك قد تجدين صعوبة في النوم ليلاً، كما يصبح نوم القيلولة أثناء النهار أصعب.
من الأفضل تقليل تناول الأطعمة التي قد تضرّ بجودة النوم، مثل الحلويات والأطعمة الغنية بالكربوهيدرات، والاعتماد بدلاً منها على الخضروات والفواكه الطازجة.
فالخضروات والفواكه الطازجة تُسهم في تحسين جودة النوم، وخاصة الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة مثل الخضروات الورقية وغيرها من المنتجات النباتية. فهي تساعد على توازن الهرمونات ومستويات السكر في الدم، وتقلّل اضطرابات النوم لدى كبار السن، مما يسهّل عليك النوم في الموعد المطلوب وبراحة أكبر.
2. تحسين جودة النوم من خلال الرياضة
لا يقتصر تأثير العوامل المساعدة على النوم على ما تفعلينه قبل النوم ليلاً، بل يمتد أيضاً إلى أنشطتك خلال النهار. فالرياضة المنتظمة تساعدك على حرق الطاقة الزائدة التي قد تُبقيك مستيقظة في الليل، كما تُسهم في تنظيم الهرمونات المؤثرة في النوم.
ولا يهمّ نوع الرياضة التي تمارسينها، بل المهم هو الاستمرار والمداومة. سواء خرجتِ للمشي في الطبيعة أو مارستِ رفع الأوزان، فإنّ ممارسة الرياضة لمدة عشرين دقيقة يومياً بشكل منتظم تُعدّ خياراً مثالياً لتحسين جودة النوم.
3. رفع جودة النوم عبر الالتزام ببرنامج ثابت
من العوامل المهمة التي تساعد على النوم السليم اتباع برنامج نوم منتظم. فعندما تكون مواعيد النوم والاستيقاظ مضطربة، يصبح من الصعب على الجسم ضبط إيقاعه الطبيعي، مما يجعل الدخول في النوم أكثر صعوبة.
ويرتبط هذا بما يُعرف بالساعة البيولوجية أو الإيقاع اليومي للجسم. فكلما التزمتِ بوقت ثابت للاستيقاظ، وتناول الطعام، والنوم، أصبح نومك أسهل وأكثر انتظاماً.
إضاءة من السنّة الشريفة
لقد نبّهت الشريعة الغرّاء إلى ضرورة منح الجسد حقّه من الراحة، وحذّرت من السهر الذي لا مسوّغ له، لما له من أثرٍ سقيم على الروح والبدن. فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: « لا سَهَرَ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: مُتَهَجِّدٍ بِالْقُرْآنِ، أَوْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ عَرُوسٍ تُهْدَى إِلَى زَوْجِهَا » (2).
وتُظهر هذه الرواية الشريفة أنّ الأصل في الليل هو السكون والراحة، وأنّ السهر لغير عبادةٍ أو علمٍ أو ضرورةٍ، إنّما هو خروجٌ عن نهج الاعتدال الصحيّ والروحيّ. فعدم التزام وقتٍ للنوم يشتت القوى ويضعف النشاط، بينما يمثّل النوم المبكر استجابةً لفطرة الجسد التي فطرها الله عليه، ليكون العبدُ قادراً على أداء مسؤوليّاته اليوميّة بحيويّة وإتقان.
السهر الرقمي وأثره في اضطراب النوم
ومن الظواهر المنتشرة في زماننا، ولا سيّما بين فئة الشباب، ظاهرة السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، وغالباً ما يكون سببها الانشغال الطويل بالهواتف الذكية والتصفّح المستمر في شبكات التواصل الاجتماعي. ولا شكّ أنّ هذه الوسائل أصبحت جزءاً من واقع الحياة المعاصرة، حتى غدت من الأمور الملازمة لكثير من شؤونها، بحيث لا يمكن الاستغناء عنها كليّاً. غير أنّ الحكمة تقتضي حسن تنظيم استخدامها وعدم تركها تستحوذ على أوقات الراحة والسكينة. ومن المناسب أن يحرص الإنسان على الابتعاد عن الهاتف قبل النوم بمدّة كافية، لا تقلّ عن ساعة، ليتهيّأ الجسد والعقل للدخول في أجواء الهدوء والاسترخاء التي تساعد على نومٍ هادئ. أمّا اصطحاب الهاتف إلى الفراش والاستمرار في النظر إلى شاشته حتى يغلب النعاس، فإنّه يربك إيقاع النوم الطبيعي ويُضعف جودته، في حين أنّ تركه جانباً يمنح النفس سكوناً ويهيّئ البدن لنومٍ أعمق وأكثر راحة.
نومٌ جيّد لحياةٍ متوازنة
وعلى الرغم من أنّ النوم الجيّد ضرورة أساسية للصحة، إلا أنّ كثيرين لا يحظون به بشكل مستمر.
غير أنّ الخبر السار هو أنّ هناك خطوات عديدة يمكن اتخاذها لتحسين جودة النوم، مما يجعلك تنعمين براحة أكبر بشكل عام. ومع العناية بالنظام الغذائي، وتهيئة بيئة نوم مناسبة، والمحافظة على مستوى نشاط صحي، تستطيعين الوصول إلى نومٍ أعمق وأكثر راحة بإذن الله.
1. سورة النبأ / الآية : 9.
2. الخصال / الشيخ الصدوق / المجلد : 1 / الصفحة : 112.


