تكريم المرأة في رواية الإمام الباقر عليه السلام
الإسلام دين التعاطف والإكرام وصيانة كرامة الإنسان، وهو على خلاف ما يروّجه بعض المخالفين للشريعة الإسلامية الحقّة والمذهب الإمامي. كما أنه يختلف جذريًا عن بعض المنظومات الدينية أو الفكرية التي تسربت إليها الانحرافات والتأثيرات غير النقية. وعند مراجعة الروايات الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، نجد تأكيدًا واضحًا وصريحًا على قيم الرحمة والتعاطف والإحسان في التعامل مع الإنسان. ومن أبرز الموضوعات التي أولتها الشريعة اهتمامًا خاصًا، مسألة تكريم المرأة؛ إذ وردت نصوص قرآنية وروايات شريفة عديدة تؤكد على احترامها، والرفق بها، وعدم التعسّف أو الشدة في التعامل معها. واليوم السابع من شهر ذي الحجة هو يوم استشهاد الإمام الباقر عليه السلام وهو الإمام الخامس من أئمة أهل البيت عليهم السلام. ولهذا ارتأينا أن نقف مع روايةٍ من رواياته الشريفة، نسلّط من خلالها الضوء على مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية والمذهب الإمامي، وما ورد في فضل تكريمها والإحسان إليها داخل إطار الأسرة.
رواية الإمام الباقر عليه السلام
جاء في الخبر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ (1)، قال: « متعوهن، جمّلوهن بما قدرتم عليه، فإنهن يرجعن بكآبة وحياء وهمّ عظيم وشماتة من أعدائهن، فان الله كريم يستحيي ويحب أهل الحياء. إن أكرمكم عند الله أشدكم إكراما لحلائلهم » (2).
معنا المتعة في الآية
يفتتح الإمام الباقر عليه السلام الرواية الشريفة ببيان معنى الآية الكريمة المذكورة فيها، قائلاً: « إنّ معنى متعوهنّ في هذه الآية الشريفة هي أن تجمّلوا النساء بمقدار الاستطاعة ». وقد أمر الله تعالى بهذه المتعة والتجميل فعلى الأقل يكون هذا التجميل من الأعمال المستحبة والمحبوبة عند الله تعالى.
وبعد ذلك، يبيّن لنا الإمام الباقر عليه السلام السبب والعلة في أمر الله تبارك وتعالى بتجميل وإكرام النساء والزوجات. لفهم الدليل بشكل صحيح يجب علينا أن نقرء الآية الشريفة بصورة كاملة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ (3).
فالآية الشريفة موضوعها النساء المطلقات. يعني الرجل المؤمن إذا طلّق زوجته، يجب عليه أن يكرمها. والعلة التي يذكرها الإمام الباقر عليه السلام في الرواية هي العلة لتكريم المرأة المطلقة. والعلة ـ كما يبيّنها الإمام عليه السلام ـ أنّ المرأة إذا طُلِّقت أصابها الحزن والانكسار والحياء والهمّ والغمّ، وقد يشمت بها أعداؤها. ومن أجل رفع هذا الحرج النفسي عنها وتحسين حالتها، أمر الله تعالى بالإحسان إليها وإكرامها.
تكريم المرأة في الرواية
يخطر إلى البال سؤال مهم وهو أنّ هذه الرواية لم تدلّ على تكريم النساء المؤمنات بل دلّت على تكريم النساء المطلقات. في الجواب نقول أنه في ذيل الرواية، قال الإمام الباقر عليه السلام جملة لا تختص بالنساء المطلقات بل تشمل جميع النساء المؤمنات. فقد قال الإمام الباقر عليه السلام: « إن أكرمكم عند الله أشدكم إكراما لحلائلهم ».
وهذا القول من الإمام الباقر عليه السلام يدلّ على مدى عظمة تكريم المرأة في الشريعة الإسلامية. لأنّه عليه السلام بيّن لنا أنّ أكرم الناس عند الله تعالى في الدنيا والآخرة هو الذي يكرم زوجته أكثر. فكلما أكرم الرجل المؤمن زوجته أكثر، أكرمه الله تعالى أكثر. ومن الواضح أنّ الذي يكرمه الله تعالى، مقامه عظيم في الدنيا والآخرة.
مصاديق تكريم المرأة وثوابه
هناك آيات وراويات ذكر فيها مصاديق مختلفة لتكريم المرأة وأنّه كيف يمكن للرجل المؤمن أن يكرّم زوجته في حياته العائلية. وأيضا جملة من الأجر والثواب لهذا التكريم. فلنذكر البعض منها.
الإنفاق على الزوجة
من الآيات التي لم يستوعبها الكثير من المخالفين وأيضا بعض شبابنا، هي آية القوامة. فقد قال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ (4).
فيعتقد البعض أن هذه الآية الشريفة تدلّ على غلبة الرجال على النساء في الشريعة الإسلامية. لكن هذا ليس صحيحا. لأنّ الآية الشريفة تدل على قوامة الرجال على النساء بالانفاق عليهنّ. فبالحقيقة هذه الآية تبيّن لنا نوعا من تكريم المرأة في الشريعة الإسلامية. حيث اعتبر الإسلام، النفقة حقًّا ثابتًا لها، وواجبًا على الرجل تجاهها بحسب موقعها في الأسرة، سواء كانت بنتًا أو زوجةً أو أمًّا. ولم يكن هذا التشريع مجرد التزامٍ مادي، بل هو نظام متكامل يُظهر قيمة المرأة في الإسلام ويؤكد مسؤولية الرجل في رعايتها وصيانتها وتوفير الحياة الكريمة لها.
فقد جعل الإسلام النفقة عليها حقًّا لازمًا للزوج، يشمل الطعام والشراب والكسوة والسكن وكل ما تحتاج إليه بالمعروف، حتى وإن كانت الزوجة غنيةً تملك المال. فالزوج مُلزَم شرعًا بالإنفاق عليها، لأن الزواج في الإسلام يقوم على المودة والرحمة والتكافل، لا على الاستغلال أو تحميل المرأة أعباءً لا تطيقها.
الجلوس عند الزوجة
من أهمّ الأمور التي يغفل عنها كثير من الرجال، الجلوس مع الأهل والأبناء، والتحدّث معهم، والاستماع إلى كلامهم، وتخصيص وقتٍ لهم. فإنّ هذا في حدّ ذاته يُعدّ لونًا من ألوان إكرام الزوجة والأسرة. إذ إنّهم عندما يرون راعي البيت، رغم مشاغله وأعماله، يحرص على الجلوس معهم والتواصل معهم بحبّ وحنان، يدركون مقدار اهتمامه بهم وشعوره بمسؤوليتهم، فينعكس ذلك طمأنينةً ومودّةً داخل الأسرة. فقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « جُلُوسُ الْمَرْءِ عِنْدَ عِيَالِهِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِ اعْتِكَافٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا » (5).
خدمة العيال
إنَّ كثيرًا من المشكلات الأسرية في المجتمعات المعاصرة ترجع إلى سوء فهم العلاقة الزوجية، حيث ينظر بعض الأزواج إلى خدمة البيت على أنها مسؤولية المرأة وحدها، بينما يُعفي نفسه من أي مشاركة أو تعاون، مع أن روح الإسلام تدعو إلى التراحم والتعاون بين الزوجين، وإلى إشاعة المودة داخل الأسرة.
إن مشاركة الزوج لزوجته في أعباء البيت نوع من التكريم النفسي والمعنوي، لأن المرأة حين ترى زوجها يشاركها هموم الحياة ومتاعبها تشعر بقيمتها ومكانتها في قلبه، ويزداد بينهما الحب والاحترام. فالزوجة ليست خادمةً في البيت، وإنما شريكة حياة لها حقوقها الإنسانية والعاطفية.
وقد وردت رواية جميلة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب فيها أميرالمؤمنين عليه السلام حول ثواب خدمة العيال: « ما من رجل يعين امرأته في بيتها إلّا كان له بكلّ شعرة على بدنه، عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها، وأعطاه الله من الثواب ما أعطاه الله الصابرين، وداود النبيّ ويعقوب وعيسى عليهم السلام، يا عليّ من كان في خدمة عياله في البيت ولم يأنف، كتب الله اسمه في ديوان الشهداء، وكتب الله له بكلّ يوم وليلة ثواب ألف شهيد، وكتب له بكلّ قدم ثواب حجة وعمرة، وأعطاه الله تعالى بكلّ عرق في جسده مدينة في الجنة. يا عليّ، ساعة في خدمة البيت، خير من عبادة ألف سنة، وألف حج، وألف عمرة، وخير من عتق ألف رقبة، وألف غزوة، وألف مريض عاده، وألف جمعة، وألف جنازة، وألف جائع يشبعهم، وألف عار يكسوهم، وألف فرس يوجهه في سبيل الله، وخير له من ألف دينار يتصدق على المساكين، وخير له من أن يقرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن ألف أسير اشتراها فأعتقها، وخير له من ألف بدنة يعطي للمساكين، ولا يخرج من الدنيا حتّى يرى مكانه من الجنة. يا عليّ، من لم يأنف من خدمة العيال دخل الجنّة بغير حساب، يا علي خدمة العيال كفارة للكبائر، ويطفئ غضب الربّ، ومهور حور العين، ويزيد في الحسنات والدرجات، يا عليّ، لا يخدم العيال إلّا صديق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة » (6).
إعطاء الهدية للزوجة والبنات
إن إعطاء الزوجة الهدية من صور تكريمها واحترامها، لأنه يدل على أن الزوج يقدّر جهودها وتعبها وما تبذله من عنايةٍ بالأسرة والأبناء. كما أن الهدية تُشعر الزوجة بأن زوجها يفكر فيها ويهتم بإسعادها، مما يعمّق مشاعر الحب والمودة بينهما. وقد تكون الهدية كلمةً لطيفة، أو زهرةً جميلة، أو شيئًا تحبه الزوجة، أو مناسبةً خاصة يعبّر فيها الزوج عن امتنانه ومحبته. وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج وليبدأ بالإناث قبل الذكور » (7).
هذه جملة من الأمور المرتبطة بتكريم المرأة. جعلنا الله من العاملين بهذه الراويات الشريفة.
1) سورة الأحزاب / الآية: 49.
2) وسائل الشيعة / للشيخ حرّ العاملي / المجلد: 15 / الصفحة: 58 / الطبع: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
3) سورة الأحزاب / الآية: 49.
4) سورة النساء / الآية: 34.
5) تنبيه الخواطر / لورام بن أبي فراس / المجلد: 2 / الصفحة: 122 / الطبع: مكتبة الفقيه – قم.
6) مستدرك الوسائل / للشيخ حسين النوري / المجلد: 13 / الصفحة: 49 / الطبع: مؤسسة آل البيت – قم.
7) وسائل الشيعة / للشيخ حرّ العاملي / المجلد: 15 / الصفحة: 227 / الطبع: دار إحياء التراث العربي – بيروت.





