تأكيد أهل البيت عليهم السلام على كيفية اللبس في المنزل
يُعدّ اللباس من أهمّ الموضوعات التي تناولتها الشريعة الإسلامية، حيث بيّنت له خصوصياتٍ وآدابًا وكيفياتٍ متعددة. كما أن أهمية اختيار اللباس وكيفية ارتدائه أمرٌ لا يخفى على كلّ متأمل. ففي عصرنا الحاضر نلاحظ مظاهر التبرّج وقلّة الحياء في بعض المجتمعات الغربية، كما امتدّ أثر ذلك إلى بعض المجتمعات الإسلامية التي تأثرت كثيرًا بالثقافة الغربية. حتى مثّل الله تعالى بالعلاقة بين الزوجين بكونهما لباسا للآخر حيث قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ (1).
وأهم الأبحاث في موضوع اللباس، هو موضوع الملابس في المنزل. أي إنه ما نوع اللباس الذي ينبغي على أهل المنزل أن يرتدوه في المنزل؟ لأنّ طريقة اللباس داخل المنزل تترك آثاراً نفسيّة وتربويّة عميقة في العلاقات الأسريّة، فهي تعكس مقدار الاحترام والمودّة بين الزوجين، وتُسهم في ترسيخ أجواء الألفة والسكينة داخل الأسرة. ولذلك ورد عنهم الحثّ على النظافة، ولبس الثياب الحسنة، والتطيّب، والتجمّل للزوجة أو الزوج.
لهذا قررنا أن نكتب لكم حول كيفية لبس اللباس في المنزل ومدارسة الروايات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في هذا الموضوع.
اللباس بين الزوجين
تختلف العلاقات داخل الأسرة من فردٍ إلى آخر؛ فالعلاقة بين الزوجين ليست كالعلاقة بين الوالدين وأبنائهما. وأول علاقة تُنشأ داخل أيّ بيت هي العلاقة الزوجية بين الزوجين. ومن هنا فإنّ لأسلوب اللباس والتصرّف بين الزوجين، حين يكونان في خلوتهما دون حضور الأبناء أو غيرهم، خصوصيةً وآدابًا تختلف عن غيرها من الحالات. فقد أكّدت تعاليم الإسلام وسيرة أهل البيت عليهم السلام على أهمية التجمّل للزوج أو الزوجة داخل البيت، وعدم إهمال المظهر بحجة الألفة أو الاعتياد، لأنّ استمرار الاهتمام بالنظافة والهيئة الحسنة يُعدّ من وسائل دوام المحبة وصيانة العلاقة الزوجية من الفتور والجفاء. فالمنزل ليس مكاناً لإهمال المظهر أو ترك الاعتناء بالنفس، بل هو أولى الأماكن بحسن اللباس والتأنق المعتدل الذي يبعث الراحة والسرور في نفوس أفراد الأسرة. فيجب على الزوج أن يلبس بنحو تعجب الزوجة به وأيضا يجب على الزوجة أن تلبس بكيفية يعجب الزوج بها. وهذا الإعجاب من أهم الأمور حتى قال عبدالله بن أبي يعفور للإمام الصادق عليه السلام: « إني اريد أن أتزوج امرأة وإن أبوي أرادا غيرها. قال عليه السلام: تزوج التي هويت ودع التي هوى أبواك » (2).
تبرّج المرأة لزوجها
التبرّج في الإسلام نوعان. النوع الأول هو التبرّج المذموم وهو الذي يكون أمام الأجانب ويؤدي إلى إثارة الفتنة وإضاعة الحياء. وفي هذا النوع يقول الله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ﴾ (3). النوع الثاني هو التبرّج الممدوح. تزيّن المرأة لزوجها وإظهار جمالها له فهو من الأمور المحمودة التي حثّت عليها النصوص الإسلامية، وعدّتها من أسباب دوام المودّة والاستقرار الأسري. ولهذا أكّدت الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام على أهمية أن تهتم المرأة بمظهرها داخل بيتها، وأن تحرص على النظافة والزينة واللباس الحسن والعطر الجميل، لأنّ الزوج كما يميل بطبعه إلى الجمال، فإنّ المرأة أيضاً تحتاج إلى الاهتمام العاطفي والنفسي الذي يتحقق عبر التبادل في التجمّل والاهتمام بالمظهر. فقد روى جابر بن عبدالله الأنصاري: « كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرنا النساء وفضل بعضهن على بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا اخبركم؟ فقلنا: بلى يا رسول الله فأخبرنا فقال: إن من خير نسائكم الولود الودود الستيرة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرجة من زوجها الحصان عن غيره ... » (4).
التزيّن في الملابس
التجمّل في لبس الملابس ليس أمرا شكليا فقط في الحياة الزوجية، بل هو من الوسائل المهمة التي تُدخل السرور إلى قلب الزوج أو الزوجة، وتُسهم في تجديد مشاعر الحب والاهتمام، كما أنّه يعكس احترام كلّ طرف للآخر وحرصه على إسعاده. ولهذا أكّدت الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام على أهمية أن يهتم الزوج بمظهره ونظافته كما تهتم الزوجة بذلك، لأنّ العلاقة الزوجية الناجحة تقوم على التبادل والتكامل لا على تحميل المسؤولية لطرف دون آخر. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام حول حقوق الزوج: « وعليها أن تتطيب بأطيب طيبها، وتلبس أحسن ثيابها، وتزين بأحسن زينتها، وتعرض نفسها عليه غدوة وعشية » (5).
وقد عالج الإسلام هذا الموضوع بروح واقعية تنسجم مع الفطرة الإنسانية؛ فالإنسان بطبيعته يميل إلى الجمال والرائحة الطيبة والنظافة وحسن الهيئة، ولذلك دعا الإسلام إلى التجمّل المشروع داخل الأسرة، وجعل البيت أولى المواطن بحسن المظهر والاهتمام بالنفس، بدلاً من الاقتصار على التزيّن خارج المنزل وأمام الناس. وقد قال الإمام الباقر عليه السلام: « لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها » (6). وأيضا في الطرف المقابل، يجب على الزوج أيضا أن يتزين لزوجته وأن يلبس ملابس جميلة لها. فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: « النساء يحببن أن يرين الرجال في مثل مايحب الرجال أن يرى فيه النساء من الزينة » (7).
التهيئة في الملابس قبل العلاقة الزوجية
التهيئة تعني اهتمام الزوجين بالملابس المناسبة والهيئة الحسنة والنظافة والتطيّب قبل العلاقة الزوجية.
المظهر الحسن واللباس الجميل يساعدان على زيادة الألفة والمحبة بين الزوجين، يشعر الطرف المقابل بالاهتمام والتقدير. وهذا الأمر تبرز أكثر في العلاقة الزوجية بين الزوجين. فالراحة النفسية من أهمّ عناصر نجاح العلاقة الزوجية، والملابس المرتبة والنظافة والتعطّر تخلق أجواءً هادئة ومريحة تساعد على التقارب العاطفي والنفسي. ولهذا أمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الرجال وأوصاهم بالتهيئة حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: « ليتهيأ أحدكم لزوجته كما تتهيأ زوجته له » (8). وقد روي عن الحسن بن الجهم: « دخلت على أبي الحسن عليه السلام وهو مختضب بسواد، فقلت: جعلت فداك قد اختضبت بالسواد؟ قال: إن في الخضاب أجرا وإن الخضاب والتهيئة مما يزيد في عفة النساء ولقد ترك النساء العفة لترك أزواجهن التهيئة لهن » (9). وهذه الرواية وإن كان موضوعها الخضاب لكن ذيل الرواية (ولقد ترك النساء العفة لترك أزواجهن التهيئة لهن ) عام لجميع أنواع التهيئة مما في ذلك التهيئة في الملابس.
لون اللباس
ينبغي على الزوج أن يلبس من الثياب ما يكون حسن الهيئة ومحبّبًا لدى زوجته، سواء كان ملوّنًا أو ذا لونٍ تأنس به نفسه وتأنس به زوجته، كما ينبغي للزوجة أن تراعي ذلك في زينتها وهيئتها تجاه زوجها، بما يبعث على الألفة والمودّة بينهما. ولا يجب عليهما أن يعتقدا مثلا أنّه من غير اللائق لبس لباس أحمر اللون، لأنّ لبس هذا النوع من اللباس والثياب في خارج البيت وفي المجتمع غير لائق. فإنّ لبس هذا النوع من الثياب في البيت إذا أحبته الزوجة، من الأمور المطلوبة وتختلف داخل المنزل عن خارجه. وقد روى مالك بن أعين: « دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ حَمْرَاءُ جَدِيدَةٌ شَدِيدَةُ الْحُمْرَةِ فَتَبَسَّمْتُ حِينَ دَخَلْتُ. فَقَالَ : كَأَنِّي أَعْلَمُ لِمَ ضَحِكْتَ ضَحِكْتَ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ عَلَيَّ إِنَّ الثَّقَفِيَّةَ أَكْرَهَتْنِي عَلَيْهِ، وَأَنَا أُحِبُّهَا فَأَكْرَهَتْنِي عَلَى لُبْسِهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَا نُصَلِّي فِي هَذَا وَلَا تُصَلُّوا فِي الْمُشْبَعِ الْمُضَرَّجِ » (10).
هذه جملة من الأمور المرتبطة بكيفية اللبس في المنزل بين الزوجين والروايات المرتبطة بها. أتمنى أنكم استفدتم منها.
1) سورة البقرة / الآية: 187.
2) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 103 / الصفحة: 235 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) سورة الأحزاب / الآية: 33.
4) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 103 / الصفحة: 235 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) مستدرك سفينة البحار / للشيخ علي النمازي / المجلد: 4 / الصفحة: 397 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
6) مستدرك سفينة البحار / للشيخ علي النمازي / المجلد: 4 / الصفحة: 397 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
7) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 76 / الصفحة: 101 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) مستدرك سفينة البحار / للشيخ علي النمازي / المجلد: 4 / الصفحة: 397 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
9) بحار الأنوار / للعلامة المجلسي / المجلد: 76 / الصفحة: 100 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
10) الكافي / للشيخ الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 447 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.


