التبرع البسيط في شهر محرم

تتجدد مشاعر الحب والولاء والتضحية في نفوس المؤمنين مع حلول شهر محرم الحرام، وتتجه القلوب نحو الإمام الحسين عليه السلام، وفي هذه الأيام المباركة تتنوع صور الخدمة الحسينية، ويبرز التبرع والنذر بوصفه واحداً من أهم مظاهر العطاء والتقرب إلى الله تعالى، حيث يسعى المؤمن إلى تقديم شيء من ماله أو جهده أو وقته ابتغاء مرضاة الله تعالى، وإحياءً لذكر أهل البيت عليهم السلام.
غير أنّ بعض الناس قد يتصور أنّ النذر لا يكون ذا قيمة إلا إذا كان كبيراً، أو مكلفاً، أو مصحوباً بمظاهر كثيرة من التجهيزات، بينما تؤكد النصوص الشرعية أنّ قيمة النذر الحقيقية لا تكمن في حجمه، وإنّما في صدق النية والإخلاص لله سبحانه وتعالى. فكم من نذر بسيط باركه الله تعالى، فكان أثره عظيماً، وكم من عمل قليل نما عند الله حتى صار سبباً للخير والبركة والمغفرة.
إنّ أيام محرم فرصة عظيمة لإحياء ثقافة النذر الواعي والبسيط، الذي يجمع بين الإخلاص وحسن التدبير وخدمة المؤمنين.

 

النذر في القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام

لقد أولى القرآن الكريم أهمية كبيرة للنذر والوفاء به، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾(1).
فالآية المباركة تؤكد أنّ الله سبحانه مطلع على ما يقدمه الإنسان من نفقات ونذور، وأنّ شيئاً من ذلك لا يضيع عنده أبدا.
وقال تعالى مادحاً عباده الصالحين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾(2).
وقد أجمع المفسرون على أنّ هذه الآية نزلت في أهل بيت النبوة عليهم السلام عندما وفوا بنذرهم، فقدّموا الطعام للمسكين واليتيم والأسير رغم حاجتهم إليه، فخلّد القرآن هذا الموقف؛ ليكون درساً للأجيال في الوفاء والعطاء والإيثار.
وأيضا قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾(3)، وهذا أمرٌ صريح بوجوب الوفاء بالنذر بعد انعقاده وفق شروطه الشرعية. وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله: «كُنْ مُنْجِزا لِلْوَعْدِ مُوفِيا بِالنَّذرِ»(4).
فالوفاء بالنذر ليس مجرد التزام مالي أو عمل خارجي، بل هو مدرسة تربوية تعلّم الإنسان الصدق مع الله تعالى والالتزام بما أوجبه على نفسه.

أحكام النذر وشروطه الشرعية

النذر هو: أن يجعل الشخص لله على ذمّته فعل شيء أو تركه.
فلا ينعقد النذر بمجرّد النيّة، بل لا بُدَّ فيه من صيغة تجري على اللسان، ويعتبر في صيغة النذر اشتمالها على لفظ (لله) أو ما يشابهه من أسمائه المختصّة به، فلو قال الناذر مثلاً: (لله عليَّ أن آتي بنافلة الليل)، أو قال: (للرحمن عليّ أن أتصدّق بمائة دينار) صحّ النذر، وله أن يؤدّي هذا المعنى بأيّة لغة أخرى غير العربيّة. ولو اقتصر على قوله: (عليَّ كذا) لم ينعقد النذر وإن نوى في نفسه معنى (لله)، ولو قال: (نذرت لله أن أصوم)، أو (لله عليَّ نذر صوم)، ففي انعقاده إشكال، فلا يترك مراعاة الاحتياط في ذلك.
ويعتبر في الناذر: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، وعدم الحجر عن التصرّف في متعلّق النذر(5).

الإخلاص... سرّ قبول النذر وبركته

أول ما ينبغي الالتفات إليه في النذر هو النية الخالصة لله تعالى. فالله سبحانه لا ينظر إلى كثرة الأموال ولا إلى ضخامة الموائد، وإنّما ينظر إلى القلوب والإخلاص.
قد يقدّم شخص آلاف الوجبات، وقد يقدّم آخر كأس ماء أو رغيف خبز، لكن العمل المقبول هو ما كان خالصاً لله تعالى؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يسأل نفسه قبل كل شيء: لماذا أنذر؟ ولمن أقدّم هذا العمل؟
إنّ النذر المرتبط بمحبة الإمام الحسين عليه السلام وإحياء ذكره واستذكار أهداف نهضته المباركة، إذا اقترن بالإخلاص، كان سبباً لنيل الأجر العظيم والبركة الواسعة.

 

النذر البسيط لا يقلّ أجراً عن النذر الكبير

من الأخطاء الشائعة أنّ بعض الناس يترددون في أداء النذر بسبب محدودية إمكاناتهم المادية، فيظنون أنّ الخدمة الحسينية تحتاج إلى أموال طائلة وتجهيزات كبيرة.
والحقيقة أنّ أبواب الخير واسعة، وأنّ النذر لا يشترط فيه الكثرة. فقد يكون النذر توزيع الخبز والجبن على الزائرين، أو تقديم الشاي، أو الماء البارد، أو حتى المساعدة في تنظيم مجلس حسيني، أو تنظيف مكان إقامة العزاء.
بل قد يكون لدى الإنسان في منزله بعض الإمكانات التي يستطيع الاستفادة منها دون تحميل نفسه أعباء إضافية. فالمهم في هذه القضية هو المشاركة في خدمة سيد الشهداء عليه السلام بما يتيسر للإنسان.

حسن التدبير طريق إلى زيادة البركة

ومن الأمور المهمة عند أداء النذر حسن إدارة الموارد وتجنب الهدر والإسراف.
فيمكن شراء المواد الأولية أو المستلزمات من مراكز البيع بالجملة، مما يخفف التكاليف، ويوفر مبالغ إضافية يمكن الاستفادة منها في أعمال خيرية أخرى.
كما يُستحب الاستفادة من تجارب أصحاب المواكب والهيئات الحسينية الذين لديهم خبرة طويلة في تقدير الكميات المطلوبة؛ لأنّ المبالغة في إعداد الطعام أو المستلزمات قد تؤدي إلى ضياع جزء منها دون فائدة.
وقد نهى الإسلام عن الإسراف، وجعل الاقتصاد والاعتدال من صفات المؤمنين، فكل مبلغ يتم توفيره يمكن أن يتحول إلى خدمة إضافية أو صدقة أخرى أو مساعدة لمحتاج.

 

المشاركة في النذور الجماعية

ليس من الضروري أن يتحمل الإنسان وحده مسؤولية إقامة نذر كامل، فبإمكانه المشاركة في نذر جماعي أو المساهمة في جزء من مشروع قائم.
فقد يساهم أحدهم بشراء الأرز، وآخر بتوفير الماء، وثالث بدفع جزء من التكاليف المالية لموكب أو هيئة حسينية. وبهذه الطريقة يشترك عدد كبير من المؤمنين في الثواب، وتتحقق روح التعاون والتكافل التي دعا إليها الإسلام، وإلى هذا المعنى  تشير الآية الشريفة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾(6).
فكل مساهمة في خدمة الإمام الحسين عليه السلام هي مشاركة في مشروع الخير والبركة.

دعوة الآخرين إلى المشاركة في الخير

من أجمل آثار النذر أن يتحول إلى وسيلة لنشر ثقافة العطاء بين الناس، فعندما يدعو المؤمن أهله وأصدقاءه وجيرانه للمساهمة في عمل خيري أو خدمة حسينية، فإنّه يفتح لهم باباً من أبواب الأجر والثواب. وقد يكون أثر هذه الدعوة أعظم من العمل نفسه؛ لأنّها تزرع روح المحبة والتعاون والتكاتف في المجتمع.
وبناء عليه، ينبغي أن تكون النذور مناسبة لتقوية الروابط الاجتماعية وإشاعة روح الأخوة بين المؤمنين، لا ميداناً للتنافس في المظاهر أو التفاخر أمام الآخرين.

الوفاء بالنذر طريق إلى المغفرة

من المعاني الجميلة التي أشارت إليها كلمات أهل البيت عليهم السلام أنّ الوفاء بالنذر سبب لنيل مغفرة الله تعالى ورحمته.
فالمؤمن عندما يلتزم بشيء لله تعالى، ثم يفي به، فإنّه يبرهن على صدقه وإخلاصه، فيستحق نفحات الرحمة الإلهية.
وقد روي عن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام في بيان فلسفة بعض الأحكام أنّها قالت: «وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ»(7). أي أنّ الوفاء بالنذر يجعل الإنسان في معرض مغفرة الله تعالى وعفوه.
ومن هنا كان أهل البيت عليهم السلام هم الأسوة والنموذج الأكمل في الوفاء بالنذر والعهد، حتى خلّد القرآن مواقفهم، وجعلها مثالاً يحتذى به عبر الأجيال.

خاتمة

إنّ النذر في أيام محرم هو تعبير صادق عن المحبة والولاء لله تعالى ولرسوله وأهل بيته عليهم السلام، وتبقى روح الإخلاص هي الأساس في قبول الأعمال ونيل بركاتها. وكلما اجتمع الإخلاص مع بذل المزيد من المال أو الجهد في خدمة الإمام الحسين عليه السلام، كان الأجر أعظم والثواب أوفر؛ لأنّ الله تعالى يضاعف الحسنات لمن يشاء. فالعبرة ليست بالمظاهر والتكلّف، وإنما بصدق النية وحسن القصد، سواء كان النذر يسيراً أم واسعاً، قليلاً أم كثيراً، ما دام خالصاً لوجه الله تعالى وفي سبيل إحياء شعائر أهل البيت عليهم السلام.
فلنحرص في هذه الأيام الحسينية على إحياء ثقافة النذر البسيط المبارك، والذي يراعي الإمكانات المتاحة، ويبتعد عن الإسراف، ويجمع القلوب على الخير، ويجعل من خدمة الإمام الحسين عليه السلام باباً للتقرب إلى الله تعالى.
وما أجمل أن يتذكر المؤمن دائماً قول الله سبحانه:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾(8).
فربّ عملٍ صغير في أعين الناس، جعله الله عنده عظيماً، وربّ نذرٍ بسيط أُدّي بإخلاص، كان سبباً للبركة والمغفرة وقضاء الحوائج في الدنيا والآخرة.


1. سورة البقرة: الآية 270.
2. سورة الإنسان: الآية 7.
3. سورة الحج: الآية 29.
4. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلّد: 16 / الصفحة: 99.
5.  المسائل المنتخبة العبادات والمعُاملات / فتاوى السيد السيستاني / الصفحة: 445.
6. سورة المائدة: الآية 2.
7. اعلام النساء المؤمنات / محمد الحسّون / المجلّد: 1 / الصفحة: 645  . 
8. سورة البقرة: الآية 261.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة