عزاء ركضة طويريج ورموزها
قد نشأت شعيرة ركضة طويريج من مدينة طويريج، المعروفة اليوم بقضاء الهندية، وذلك عندما اعتاد المؤمنون في اليوم العاشر من المحرم الانطلاق ركضاً باتجاه كربلاء تعبيراً عن الحسرة والأسى والحزن؛ لعدم تمكنهم من نصرة الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطف. ومع مرور الزمن اتسعت هذه الممارسة؛ لتشمل أعداداً هائلة من المشاركين من مختلف المدن والدول، حتى أصبحت رمزاً عالمياً للولاء الحسيني والتضامن الروحي مع نهضة الإمام الحسين عليه السلام.
وتتميز ركضة طويريج بكونها شعيرةً تجمع بين البعد العاطفي والبعد الرمزي، فهي ليست مجرد حركة جماعية أو طقس موسمي، بل تمثل حالة وجدانية يعيش فيها المشاركون مشاعر الاندفاع لنصرة الحق، وكأنّهم يلبّون نداء «هل من ناصرٍ ينصرني» الذي صدح به الإمام الحسين عليه السلام في أرض كربلاء سنة 61 للهجرة. ومن هنا اكتسبت الركضة مكانة خاصة في الوجدان الشيعي، وأصبحت جزءاً من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع المؤمن. وفي العصر الحديث ازداد الاهتمام بدراسة ركضة طويريج بوصفها تراثاً غير مادّي للشيعة؛ لأنّها لا تتمثل في مبانٍ أو آثار مادية ملموسة، بل في ممارسات وعادات وقيم ورموز تنتقل عبر الذاكرة الجماعية والتوارث الاجتماعي. فالتراث غير المادّي يشمل التقاليد والطقوس والمعارف والعادات التي تشكل هوية الجماعات البشرية، وتُعد ركضة طويريج نموذجاً بارزاً لهذا النوع من التراث لما تحمله من مضامين دينية وثقافية واجتماعية متجذرة في تاريخ الشيعة ووجدانهم.

تاريخ عزاء ركضة طويريج
يرجع أصل هذه الشعيرة إلى مدينة طويريج (قضاء الهندية حالياً) الواقعة شرق كربلاء المقدسة. وتذكر المصادر التاريخية أن الركضة بصورتها المنظمة بدأت في أواخر القرن الرابع عشر، عندما كان المؤمنون يجتمعون في يوم عاشوراء للاستماع إلى المقتل الحسيني، ثم ينطلقون مسرعين نحو كربلاء، وهم يرددون عبارات الحزن والاستغاثة، وكأنّهم يلبّون نداء الإمام الحسين عليه السلام.
ويُنسب انتشار هذه الشعيرة إلى العالم الجليل السيد صالح القزويني الذي كان يقيم مجلساً عاشورائياً في طويريج، وبعد قراءة المقتل كان المشاركون يخرجون بحالة من التأثر الشديد متجهين نحو كربلاء ركضاً. ومع مرور السنين توسعت هذه الممارسة وازداد عدد المشاركين فيها حتى أصبحت من أكبر التجمعات الدينية في العالم(1). ورغم ما تعرضت له الركضة من تضييق ومنع في بعض الفترات السياسية، فإنّها بقيت حاضرة في وجدان المؤمنين، وعادت بقوة بعد زوال تلك القيود؛ لتستقطب ملايين المشاركين من مختلف أنحاء العراق والعالم.
وهناك حكاية حول أنّ السيد مهدي بحر العلوم رحمه الله، قد رأى الإمام المهدي عليه السلام في هذه الركضة حاسرا رأسه ففعل مثله. لكنّ في هذه الحكاية إشكال. من جهة أنه السيد بحر العلوم ولد سنة 1155 وتوفي سنة 1212للهجرة. مؤسس ركضة طويريج السيد صالح القزويني ولد سنة 1257 وتوفي سنة 1304 للهجرة وعلى اكثر التقادير ان اول ركضة انطلقت هي سنة 1290، كما وان مدينة طويريج تاسست سنة 1270 اي بعد وفاة السيد بحر العلوم. وأيضا أنّه لم نجد مصدرا لهذه الحكاية بل إنّه منقول في أفواه الرجال.

طقوس ركضة طويريج
تبدأ الركضة عادة بعد صلاة الظهرين في يوم عاشوراء، وهو الوقت الذي ارتبط تاريخياً بلحظات استشهاد الإمام الحسين عليه السلام. ويتجمع المشاركون في مناطق محددة خارج كربلاء، ثم ينطلقون ركضاً باتجاه الحرمين الشريفين. وخلال الركضة يردد المعزون عبارات مثل: «واحسيناه!»، و«يا حسين!»، و«لبيك يا حسين!»، في مشهد يمتزج فيه الحزن بالعاطفة الدينية الجياشة. ويحرص المشاركون على المحافظة على النسق الجماعي للحركة بما يعكس وحدة المشاعر والهدف. وتتميز الركضة بطابعها الشعبي؛ إذ يشارك فيها الرجال والشباب وكبار السن من مختلف الطبقات الاجتماعية والقوميات والبلدان، في صورة تجسد عالمية القضية الحسينية وتجاوزها للحدود الجغرافية واللغوية.
الرموز المستخدمة في عزاء ركضة طويريج
ركضة طويريج من أبرز الشعائر الحسينية التي تجسد التفاعل الوجداني العميق مع واقعة كربلاء، ولا تقتصر أهميتها على حركة الركض الجماعي فحسب، بل تتجلى أيضاً في مجموعة من الرموز والإشارات البصرية والشعورية التي ترافقها. فهذه الرموز لا تُستخدم لمجرد الزينة أو إضفاء الطابع الاحتفالي على المناسبة، وإنّما تؤدي وظيفة ثقافية ودينية تتمثل في استحضار أحداث عاشوراء وتجسيد معانيها في وجدان المشاركين.
الركض نفسه
الركض أهم رموز هذه الشعيرة وأبرزها، فالمشاركون لا يسيرون سيراً عادياً، وإنّما يندفعون ركضاً نحو مرقد الإمام الحسين عليه السلام في حركة جماعية سريعة ترمز إلى الاستجابة الفورية لنداء الحق. ويمثل هذا الركض حالةً رمزية يتخيل فيها المؤمن نفسه حاضراً يوم عاشوراء، وقد سمع استغاثة الإمام الحسين عليه السلام، فانطلق لنصرته دون تردد. ومن هنا فإن الركض يعبر عن الندم على عدم التواجد في كربلاء يوم الواقعة، وعن الرغبة المعنوية في تعويض ذلك الغياب التاريخي من خلال الحضور الرمزي المتجدد.
الرايات الحسينية
الرايات من أكثر الرموز حضوراً في ركضة طويريج. وتحمل هذه الرايات أسماء الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، أو عبارات الولاء والشعارات العاشورائية. وترمز الرايات إلى استمرار النهضة الحسينية عبر الزمن، كما تعكس وحدة الهدف بين المشاركين. فكما كانت الراية في الحروب علامة تجمع الجنود حول قائدهم، أصبحت في الشعائر الحسينية رمزاً للاجتماع حول مبادئ الإمام الحسين عليه السلام وقيمه. أمّا اللون الأسود الغالب على الرايات فيرمز إلى الحزن والمواساة، في حين ترمز بعض الرايات الحمراء إلى الدم المظلوم الذي أريق في كربلاء وإلى استمرار المطالبة بالحق والعدالة.
الهتفات والشعارات
تمثل الهتافات في ركضة طويريج شكلاً من أشكال التعبير الجماعي عن المشاعر الدينية. فالمشارك لا يركض صامتاً، وإنّما يعلن من خلال صوته انتماءه إلى القضية الحسينية واستعداده للوقوف إلى جانب الحق الذي مثّله الإمام الحسين عليه السلام. وتتحول الكلمات المرددة إلى وسيلة لاستحضار أحداث كربلاء وكأنّها تقع من جديد أمام أعين المشاركين؛ ولهذا لا ينظر المؤمنون إلى هذه الهتافات على أنّها مجرد عبارات تقال في موسم محدد، بل يرون فيها تجديداً للعهد مع الإمام الحسين عليه السلام وإحياءً لرسالته الخالدة.
ومن أهم خصائص الهتافات في ركضة طويريج أنّها تُردد بصورة جماعية متناسقة. وهذا الترديد الجماعي يخلق شعوراً بالوحدة والتلاحم بين المشاركين، حيث تختفي الفوارق الاجتماعية والقومية واللغوية أمام وحدة الهدف والشعور. كما أن الصوت الجماعي الضخم يمنح الشعيرة قوة رمزية كبيرة، إذ يبدو وكأن الملايين يتحدثون بصوت واحد، معلنين ولاءهم للإمام الحسين عليه السلام ورفضهم للظلم والاضطهاد والانحراف.
المعاني والرسائل لركضة طويريج
ركضة طويريج ليست مجرد ممارسة شعائرية أو حركة جماهيرية تُقام في يوم عاشوراء، بل تمثل منظومةً متكاملة من المعاني العقائدية والروحية والثقافية التي يسعى الشيعة إلى التعبير عنها واستحضارها في وجدانهم الفردي والجماعي. فالملايين الذين يندفعون ركضاً نحو مرقد الإمام الحسين عليه السلام لا يرون في هذه الشعيرة مجرد استذكار لحدث تاريخي وقع قبل قرون، وإنّما يعيشون من خلالها حالةً وجدانية تجعلهم يشعرون بأنّهم جزء من ملحمة كربلاء، وأن رسالتها ما زالت حية في واقعهم المعاصر، وكأنّهم يحظىون بتلك الجائزة الأبدية مع أنصار الحسين رضوان عليهم تعالى عليهم.
الاستجابة لنداء الإمام الحسين عليه السلام
في الوعي الشيعي يمثل الركض نحو الحرم الحسيني استجابةً رمزيةً لنداء الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء عندما دعا إلى نصرة الحق والوقوف في وجه الظلم. ويشعر المشاركون وكأنّهم يسمعون ذلك النداء التاريخي فيندفعون نحوه بكل ما يملكون من طاقة وشو؛. ولذلك فإنّ الركضة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي إعلان معنوي بأن المؤمن لو كان حاضراً في كربلاء لما تخلّف عن نصرة الإمام الحسين عليه السلام.
تجديد البيعة مع الإمام الحسين عليه السلام
تحمل الركضة معنى تجديد العهد مع الإمام الحسين عليه السلام سنةً بعد أخرى. فالمشاركون يؤكدون من خلال حضورهم ومشاركتهم أن ارتباطهم بالحسين ليس ارتباطاً عاطفياً مؤقتاً، وإنّما هو التزام دائم بمبادئه وقيمه؛ ولذلك ينظر الكثير من المؤمنين إلى الركضة باعتبارها تجديداً عملياً للبيعة مع الإمام الحسين عليه السلام ومع المشروع الإصلاحي الذي نهض من أجله، في تلك الحقبة من الزمن مع قلة الناصر.
استحضار روح التضحية والفداء
إنّ الجهد البدني الذي يبذله المشاركون في الركضة يرمز إلى الاستعداد للتضحية في سبيل المبادئ. فالركض وسط الزحام وتحمّل المشقة والتعب يذكّر المؤمن بالتضحيات العظيمة التي قدمها الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه. ومن هنا تصبح الركضة وسيلة لتربية النفس على البذل والعطاء وتحمل المسؤولية في سبيل القيم السامية والعليا.
الحزن والمواساة لأهل البيت عليهم السلام
من أهم المعاني التي تحملها الركضة المحافظة على الذاكرة التاريخية لعاشوراء. فالشعائر الحسينية بصورة عامة، وركضة طويريج بصورة خاصة، تسهم في إبقاء أحداث كربلاء حاضرة في وعي الأجيال المتعاقبة. ومن خلال التكرار السنوي للشعيرة تبقى القضية الحسينية حية في النفوس، وتتحول من مجرد رواية تاريخية إلى تجربة شعورية يعيشها المؤمنون في كل عام.
الختام
في الختام نقول إنّ عزاء ركضة طويريج من التراث غير المادي للشيعة في بلد العراق وبالخصوص في النجف وكربلاء. فمن الجدير أن يسعى في حفظها وتوسيعها وتبيين مبانيها ومعانيها إلى الشباب؛ كي يوّفقوا في المشاركة بهذا العزاء في كلّ سنة وبمعرفة والبصيرة.







