كيف تؤثر مجالس العزاء على الصحة النفسية؟
لا تقتصر مجالس رثاء أهل البيت عليهمالسلام على أبعادها الروحية والاجتماعية فحسب، بل يمكنها أيضاً أن تسهم في تحسين الصحة النفسية للأفراد، وذلك من خلال تعزيز التعاطف، والتفريغ الانفعالي، وتعزيز العلاقلات الاجتماعية.

أبعاد نفسية واجتماعية عميقة
تُقام مجالس العزاء والندب، بوصفها شعائر محورية في الثقافة الشيعية ولا سيما في شهري محرم وصفر أو في شهر رمضان المبارك، وذلك منذ القدم إحياءً لذكرى واقعة الطف الأليمة واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه الوفياء، وكذلك ذكرى استشهاد الإمام علي (عليه السلام). وهذه المراسم، التي تشمل “الشعائر الحسينية” ومظاهر العزاء الأخرى (مثل اللطم والمراثي والنواعي)، تتجاوز كونها مجرد طقوس دينية؛ لتشتمل على أبعاد نفسية واجتماعية عميقة.

الأثر الروحي والسكينة النفسية
لقد أصبحت هذه الشعائر بمرور الزمن جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الشيعية. ومن المنظور العقائدي، تؤكد الروايات الواردة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على أهمية إقامة العزاء، فعلى سبيل المثال روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «مَنْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكَائِهِ، جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ فَرَحِهِ وَسُرُورِهِ». وهذا المعتقد الديني يوفر أرضية روحية خصبة للتأثيرات النفسية الإيجابية التي تتركها هذه المجالس في النفوس.
مفهوم الصحة النفسية وأهميتها
تُعرف الصحة النفسية، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية(WHO)، بأنّها حالة من الرفاه يدرك فيها الفرد قدراته الخاصة، ويستطيع من خلالها التعامل مع ضغوط الحياة اليومية، والمشاركة بفعالية في مجتمعه. ويمكن للشعائر الدينية، ومن بينها مجالس العزاء، أن تسهم في تحقيق هذا الرفاه عبر تقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالانتماء، وترسيخ معنى الحياة وهدفها.

آليات تأثير مجالس العزاء على الصحة النفسية
تشير الأبحاث النفسية والاجتماعية إلى ثلاث آليات رئيسية توضح كيفية تأثير هذه المراسم على الصحة النفسية، وفيما يلي نتناولها بالتفصيل:
التعبير عن المشاعر والتفريغ العاطفي
من أبرز خصائص مجالس العزاء أنّها تهيّئ فضاءً للتعبير الحر عن المشاعر. فالعزاء الجماعي مثل البكاء وقراءة المراثي، يتيحان للأفراد تفريغ مشاعرهم المكبوتة. وتُعرف هذه العملية في علم النفس باسم "التطهير الانفعالي(Catharsis)"، وهي تُعدّ وسيلة لتخفيف الضغوط العاطفية. وقد أظهرت دراسة في مجال علم النفس التجريبي أن طقوس العزاء يمكنها أن تُخفف الحزن عبر تعزيز الشعور بالقدرة على ضبط المشاعر والتحكم فيها. وفي مجالس العزاء والبكاء على مصاب أهل البيت عليهم السلام يُنظر إلى ذرف الدموع على أنّه عمل مقدّس، وهذه القداسة تعمّق التجربة الوجدانية، وتزيد أثرها.

الدعم الاجتماعي والشعور بالانتماء
تُقام مجالس العزاء بصورة جماعية، وهذا البعد الاجتماعي له أثر كبير في الصحة النفسية. فالحضور بين المعزّين، ولا سيما في التكايا والحسينيات، يوفّر فرصة للتواصل الاجتماعي وتلقّي الدعم العاطفي. وتُظهر الدراسات أنّ الدعم الاجتماعي من أهم العوامل في خفض التوتر وزيادة الرفاه النفسي. وفي هذه المجالس لا يشارك الأفراد أحزانهم مع الآخرين فحسب، بل إنّ التعاطف الجماعي يساعد أيضاً على تقليل الإحساس بالعزلة والوحدة. وهذا الشعور بالانتماء يمكن أن يكون باعثاً وحافزاً على السكينة، خصوصاً لدى من يواجهون في حياتهم اليومية تحديات عاطفية وضغوطاً نفسية.
الارتباط الروحي والشعور بالهدف
تساعد مجالس العزاء، بما يتجاوز كونها مناسبات عاطفية، الأفراد على الاتصال بسردية روحية متعالية. فقصة كربلاء وتكتنفها من اللآحداث، بوصفها رمزاً للصمود في مواجهة الظلم والتضحية من أجل العدالة، يمكن أن تكون مصدراً للإلهام ووسيلة للعثور على معنى في الحياة. ووفق نظرية علم النفس الوجودي لدى فيكتور فرانكل، يُعدّ إيجاد المعنى في الحياة أحد العوامل الأساسية للصحة النفسية. وفي هذه الشعائر، قد يشعر المشاركون -عبر تذكّر قيم مثل الشجاعة والإيثار- بقدر أكبر من الهدف، مما يعزز بدوره السكينة الداخلية.

ذكر الله وطمأنينة القلب
ومن المعاني التي تعمّق أثر هذه المجالس في تهدئة النفس وبعث الطمأنينة في روح الإنسان أنّها تربط القلب بالله تعالى، وتفتح أمامه باب الذكر والرجوع إليه، والذكر من أعظم ما يسكّن القلوب عند الهمّ والضغط. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل النفسي والروحي بوضوح حين قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (1)، فمجالس إقامة العزاء بما تحمله من ذكر الله، وذكر النبي وأهل بيته (عليهم السلام)، واستحضار القيم الإيمانية، تكون سبباً في ازدياد السكينة الداخلية وتخفيف القلق؛ لأنّ القلب حين يجد موطئه في الذكر يهدأ ويستعيد توازنه.
الأدلة العلمية والدراسات ذات الصلة
على الرغم من محدودية الأبحاث المتخصصة حول تأثير مجالس العزاء لدى الشيعة على الصحة النفسية، فإنّ الدراسات العامة حول طقوس العزاء والشعائر الدينية تُظهر نتائج متقاربة. فعلى سبيل المثال، بينت دراسة في تركيا حول طقوس العزاء الإسلامية أنّ هذه المراسم قد تساعد في خفض التوتر المرتبط بفقد الأحبة… كما أظهرت دراسة في مجال تأثير الطقوس التي تُقام بعد الوفاة على ذوي الفقيد أن المشاركة الفاعلة في هذه المراسم يمكن أن تسهم في تحسين الصحة النفسية وتقليل أعراض الاكتئاب. وتتوافق هذه النتائج مع تجارب المشاركين في المجالس تقام في العزاء ومصيبة أهل البيت (عليهم السلام) بالأخص الإمام الحسين (ع) وواقعة عاشوراء.

لماذا يشعر بعض الأشخاص بمزيد من السكينة؟
قد يكون الشعور بالراحة بعد المشاركة في هذه المجالس نتيجة تداخل مجموعة من العوامل المتقدمة. فبالنسبة لبعض الناس، يؤدي التفريغ العاطفي عبر البكاء وقراءة المراثي إلى خفض التوترات الداخلية. ولدى آخرين، يخلق الإحساس بالانتماء إلى جماعة تشترك في الحزن والقيم ذاتها شعوراً بالأمان والطمأنينة. كذلك فإنّ من ينظرون إلى هذه المراسم من زاوية دينية قد يشعرون بالرضا من خلال الارتباط بقوة متعالية والإيمان بالأجر والثواب المعنوي المرتب على المشاركة في هذه المجالس.
واللافت أنّ حتى الذين لا يؤمنون بالجوانب الروحية لهذه الشعائر قد يستفيدون منها؛ إذ إنّ البنية المنتظمة والمتوقعة للمجلس (مثل قراءة المراثي واللطم) قد تمنحهم إحساساً أكبر بالسيطرة على حياتهم، مما يساعد على تقليل القلق في أنفسهم.
نيل رضا الله تعالى يبعث السكينة
بما أنّ المعزّي لأهل البيت (عليهم السلام) يدرك أن مصيبته فيهم «عند الله مأجورة»، وأن ما يقوم به من بكاءٍ ومواساةٍ وعزاءٍ له ثوابٌ عظيم، فإنه يشعر في داخله بسكينةٍ عميقة ورضاً يملأ القلب. كما ورد عن الامام الباقر عليه السلام: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَقُولُ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ لِقَتْلِ الْحُسَيْن حَتَّى تَسِيلَ عَلَى خَدِّهِ بَوَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي الْجَنَّةِ غُرَفاً يَسْكُنُهَا أَحْقَاباً(2).
ومن جهةٍ أخرى، يعيش المؤمن إحساساً خاصاً بعظمة هذه المجالس؛ إذ يعلم أنها «سيد المجالس»، كما قال النبي صلّى الله عليه وآله: لِكُلِّ شَيْءٍ سَيِّداً وسَيِّدُ الْمَجَالِسِ مَجَالِسُ الشِّيعَةِ(3). وقال الإمام الصادق (عليه السلام) لِفُضَيْلٍ: «تَجْلِسُونَ وَتحَدِّثُونَ؟» قَالَ: نَعَمْ، جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ: «إِنَّ تِلْكَ الْمَجَالِسَ أُحِبُّهَا، فَأَحْيُوا أَمْرَنَا يَا فُضَيْلُ، فَرَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا يَا فُضَيْلُ. مَنْ ذَكَرَنَا أَوْ ذُكِرْنَا عِنْدَهُ فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ مِثْلُ جَنَاحِ الذُّبَابِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ»(4).
فأيُّ طمأنينةٍ أعظم من أن نكون في مجلسٍ يشهد له الإمام الصادق (عليه السلام) بالمحبة والولاء لهم، ويُشعرنا أنّ ما نقوم به مقبولا عند أهل البيت (عليهم السلام) وبمرأى منهم ومشهد.
ختام
تبيّن لنا أنّ مجالس العزاء والرثاء ليست مجرد مناسبة عاطفية عابرة، بل شعائر ذات أثر متكامل على النفس والروح والعلاقات الاجتماعية. فهي تفتح باب التعبير عن المشاعر والتفريغ الانفعالي بطريقة آمنة ومقبولة، وتمنح الإنسان شبكة دعم وشعوراً بالانتماء داخل جماعة تتقاسم الهمّ والقيم، كما تعمّق الارتباط بالله تعالى وتزيد معنى الحياة وهدفها عبر استحضار مدرسة كربلاء بما فيها من صبرٍ وعدالةٍ وإيثار. ومع هذا المعنى الروحي، ومع ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في فضل هذه المجالس، تتعزز السكينة الداخلية ويقوى الأمل، ويجد القلب ما يعينه على مواجهة ضغوط الحياة بثباتٍ وطمأنينة.
شاركي تجربتك: كيف أثّرت مجالس العزاء في راحتك النفسية وفي حياتك اليومية؟
اكتبي لنا رأيك، فلعلّ تجربتك تكون نوراً وطمأنينةً لقلب أخرى.
1. سورة الرعد ، الآية : 28.
2. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 98 / الصفحة : 344 / ط مؤسسة الوفاء
3. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال / الشيخ الصدوق / الصفحة: 83
4. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 8 / الصفحة : 213 / ط الاسلامية
5. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 74 / الصفحة : 351 / ط مؤسسة الوفاء





