عزاء زفة القاسم

قد نشأت مراسم زفّة القاسم في عددٍ من البيئات الشيعية، وتطوّرت عبر الزمن؛ لتأخذ أشكالاً متنوّعة تتناسب مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لكل مجتمع، مع محافظتها على جوهرها المتمثل في استذكار تضحية القاسم عليه السلام ومشاركته في ملحمة كربلاء. وبذلك أصبحت هذه المراسم جزءاً من الذاكرة الشيعية، تحمل أبعاداً دينية وتربوية واجتماعية تتجاوز حدود المناسبة الزمنية؛ لتؤدّي دوراً في ترسيخ القيم الحسينية في وجدان المؤمنين. 


وفي العصر الحديث برز مفهوم «التراث الثقافي غير المادّي» بوصفه أحد أهم المفاهيم التي تعنى بحماية الممارسات والعادات والتقاليد التي تشكّل هوية الشعوب والمجتمعات. فالتراث لا يقتصر على المباني والآثار المادية، بل يشمل أيضاً الطقوس والاحتفالات والفنون الشعبية والمعارف المتوارثة التي تنتقل بين الأجيال. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى زفّة القاسم باعتبارها نموذجاً حيّاً للتراث غير المادّي الشيعي، لما تختزنه من رموز تاريخية ودينية وما تؤديه من دور في حفظ الذاكرة الحسينية وتعزيز الانتماء الثقافي والديني لدى أبناء المجتمع.

 

تاريخ عزاء زفة القاسم

لا تذكر المصادر التاريخية الأولى التي أرّخت لواقعة كربلاء وجود مراسم خاصة تُعرف بزفّة القاسم بالشكل المتداول اليوم، كما لا تذكر وقوع مراسم زواج حقيقية للقاسم عليه السلام ليلة عاشوراء، إلا أنّ بعض الكتب المتأخرة نقلت روايات تتحدث عن مشروع زواج أو وصية تتعلق بالقاسم، مثل كتاب روضة الشهداء للشيخ حسين الواعظ الكاشاني، حيث يحكي ما خلاصته: «عندما رأى القاسم بن الحسن عليه السلام ما حلّ بأهل بيت الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وتأثر بمقتل أقاربه وأصحابه، جاء إلى عمّه الإمام الحسين عليه السلام يطلب الإذن بالقتال والأخذ بثأر أخيه والشهداء، إلا أنّ الإمام امتنع في البداية عن الإذن له؛ لما كان يكنّه له من محبة، ولأنّه كان وديعة أخيه الإمام الحسن عليه السلام. عاد القاسم إلى الخيمة حزيناً، فتذكّر تعويذة كان أبوه الإمام الحسن عليه السلام قد أوصاه بفتحها عند اشتداد الكرب، فلما فتحها وجد فيها وصية من أبيه يأمره فيها بنصرة الإمام الحسين عليه السلام وبذل نفسه دونه في كربلاء، مهما مُنع أو صُرف عن ذلك. فرح القاسم بهذه الوصية، وأسرع إلى الإمام الحسين عليه السلام وعرض عليه الكتاب. فلما قرأه الإمام تأثر، وبكى، ثم أخبر القاسم أنّ لأبيه وصية أخرى عنده. وبعد ذلك أدخله إلى الخيمة، وألبسه بعض ثياب الإمام الحسن عليه السلام، وعمّمه بعمامة جميلة. إنّ الإمام الحسين عليه السلام زوّج القاسم في تلك اللحظات من إحدى بناته التي كانت مخطوبة له من قبل، ثم سلّمه إيّاها امتثالاً لوصية الإمام الحسن عليه السلام. وبينما كان القاسم مع عروسه سُمعت دعوات المبارزة من معسكر عمر بن سعد، فعزم على الخروج إلى القتال، فتعلقت به العروس، وسألته إلى أين يتجه، فأخبرها أنّه ذاهب إلى ميدان الجهاد والدفاع عن الإمام الحسين عليه السلام، وأنّ لقاءهما الحقيقي سيكون يوم القيامة.»(1).

 


طقوس عزاء زفة قاسم

تُقام زفّة القاسم عادة في أيام شهر محرم، وغالباً في اليوم السابع أو الثامن منه بحسب الأعراف المحلية. وتبدأ المراسم بتجمع المعزين في موكب خاص يتقدمه قارئو المراثي واللطميات أو الخطيب أو حتى الرادود. ويشمل هذا العزاء غالبا على طقوس مختلفة. كتهيئة شاب على شكل القاسم بن الحسن عليه السلام، ويلبسونه الدرع ولامات الحرب، ويعطون بيده السيف والدرع، ويركبونه على فرس، ويمون به بين المعزين، ورفع الرايات الخضراء أو البيضاء التي ترمز إلى الشباب والطهارة، وترديد المراثي التي تستحضر مشاعر الحزن على شبابه المهدور، ومشاركة الأطفال والناشئة بملابس خاصة ترمز إلى عمر القاسم عليه السلام السير في مواكب منظمة تتخللها مظاهر الحزن والبكاء واللطم.
وفي بعض المناطق تُقام هذه المراسم ضمن أجواء تجمع بين الحزن والرمزية، حيث تُستخدم بعض عناصر الزفاف المعروفة اجتماعياً، ولكن بعد تحويلها إلى رموز عزائية لا احتفالية، تأكيداً على أنّ المناسبة ليست فرحاً، وإنّما استذكار لمأساة شاب استشهد قبل أن يعيش حياته الطبيعية، ويتهنأ بشابه.

 

التماثيل والرموز في زفة قاسم

تعتمد الشعائر الحسينية على مجموعة من الرموز التي تساعد على استحضار الأحداث التاريخية بصورة محسوسة، فالرمز يختصر معاني كثيرة قد يصعب التعبير عنها بالكلمات وحدها. ومن خلال هذه المجسمات يستطيع المشاركون والمتفرجون استذكار مشاهد كربلاء والتفاعل معها عاطفياً، مما يجعل الرسالة أكثر حضوراً في الوعي الجماعي. ومن هنا نفهم إنّ عزاء زفة قاسم من أهم التراث الثقافي غير المادّي للشيعة، ففيه الكثير من التماثيل والرموز.

 

النعش الرمزي للقاسم

من أشهر الرموز التي تظهر في مواكب زفّة القاسم النعش الرمزي الذي يُحمل على الأكتاف أو يُوضع على منصة خاصة. ويُغطّى هذا النعش عادة بالأقمشة الخضراء أو البيضاء، ويُزيَّن بالورود والرياحين والأشرطة المطرزة. ويرمز النعش إلى الجسد الطاهر للقاسم عليه السلام بعد استشهاده في أرض كربلاء، كما يجسد الحزن على فقدان شاب من أهل بيت النبوة في مقتبل العمر.

 

الرايات والأعلام

الرايات من أهم الرموز المصاحبة لزفّة القاسم، حيث تُرفع بألوان مختلفة تحمل دلالات خاصة، فالراية الخضراء ترمز إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى الأمل والحياة الروحية، وأمّا الراية البيضاء فترمز إلى الطهر والنقاء اللذين ارتبطا بشخصية القاسم عليه السلام، كما تُستخدم في بعض المواكب الرايات السوداء للتعبير عن الحزن والمصيبة التي حلت بآل الرسول صلى الله عليه وآله. 

الورود والرياحين

تحضر الورود في زفّة القاسم بصورة لافتة للنظر؛ إذ تُستخدم لتزيين النعوش والمجسمات والطرقات التي تمر بها المواكب. وترمز الورود إلى شباب القاسم عليه السلام الذي قُطع قبل أوانه، وإلى الجمال المعنوي الذي مثله في طاعته للإمام الحسين عليه السلام. كما تشير إلى أن الشهادة لم تكن نهاية لحياته، بل بداية لحياة خالدة في وجدان المؤمنين. 

الزخارف

في بعض البيئات الشعبية تُستخدم هياكل مزخرفة تشبه منصات الزفاف أو الأقفاص المزينة بالورود والأقمشة، ولا يقصد من استخدامها إظهار الفرح بالمعنى المتعارف عليه، بل ترمز إلى الفرص الحياتية التي حُرم منها القاسم عليه السلام بسبب استشهاده المبكر. فهي تعبير رمزي عن حلم الشباب الذي انقطع في كربلاء وتحول إلى تضحية في سبيل العقيدة؛ ولهذا تُرافق هذه المجسمات أجواء الحزن والمراثي، لا أجواء الاحتفال والسرور.

 

الشموع والمصابيح

في بعض المواكب تُستخدم الشموع أو المصابيح التقليدية كجزء من الزينة العزائية. وترمز هذه الأنوار إلى الهداية والنور الذي تمثله نهضة الإمام الحسين عليه السلام، كما تعبر عن استمرار رسالة أهل البيت عليهم السلام رغم محاولات إطفائها عبر التاريخ. وأيضا الشموع علامات على العزاء والمصيبة لفقد أعز الأشخاص على الناس.

 

شبيه القاسم

أهم العلامات والرموز في عزاء زفة القاسم هو شبيه القاسم، حيث يُلبس الشاب الذي يؤدي دور شبيه القاسم ملابس ذات ألوان خاصة تحمل دلالات رمزية. فاللون الأبيض غالباً ما يرمز إلى الطهارة والنقاء، بينما يشير اللون الأخضر إلى الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى الحياة الروحية الخالدة. ويركب على فرس مزيّن بالأقمشة والورود. يحتل الفرس مكانة خاصة في الذاكرة العربية والإسلامية، إذ كان رمزاً للفروسية والشجاعة والكرامة. وعندما يظهر شبيه القاسم على ظهر الفرس فإن ذلك يرمز إلى خروجه إلى ساحة الجهاد دفاعاً عن الإمام الحسين عليه السلام.

المراثي الخالدة

هناك مراث جميلة وخالدة مدى التاريخ تستخدم في عزاء زفة القاسم في كلّ عام، وهذا أيضا ما يجعله تراثا غير مادي للشيعة والموالين لأئمة الأطهار عليهم السلام، وأعظم هذه المراثي هي:  


يـمـة ذكـريني من تمر زفة شباب

من العرس محروم وحنتي دم المصاب


شـمـعـة شـبـابـي مـن يطفوها

حنتي دمي والكفن ذاري التراب
يـمـة ذكـريـنـي يـمـة ذكـريـنـي مـن تـمـر زفـة شـباب


مـن ثدي النيبا راضع بصافي الحليب

وبهالشهادة صار الي قسمة ونصيب


حـوفـتـي بـدمـي خلها يفرشوها

حنتي دمي والكفن ذاري التراب


يـوم الـمبارك أصبح لديني شهيد

وافزع لعمي من يظل بالطف وحيد


رمـلـة بـمـصـابـي خل يواسوها

حنتي دمي والكفن ذاري التراب


اهلي وصوني بالوفا يوم الطفوف

ومن دم وريدي يصبح خضاب الجفوف


هـذي وصـيـتـي يـا الـتسمعوها

حنتي دمي والكفن ذاري التراب


دهـري  يـتّمني  والتزم عمي برباي

ما اعز عنه مهجتي وروحي ودماي


رمـلـة بـمـصـابـي خل يفجعوها

حنتي دمي والكفن ذاري التراب


والـوفـا  شـانـه يـنعدم بيه الوجود

وآنه وجداني يغتنم جنة خلود


نـيـتـي بـديـوان جـدي كتبوها

حنتي دمي والكفن ذاري التراب 

 

1) روضة الشهداء / الشيخ ملا حسين الواعظ الكاشاني / المجلد: 1 / الصفحة: 402 / الطبع: نشر نويد اسلام – قم.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة