السيدة نفيسة؛ امرأة خالدة في التاريخ

لقد عاشت السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في مرحلة تاريخية شهدت تحولات سياسية واجتماعية وفكرية عميقة، ومع ذلك لم تسمح لظروف زمانها وعصرها بأن تعزلها عن مسؤوليتها الدينية ومهامها الإنسانية. فقد ارتبط اسمها بالعلم والعبادة والورع، واشتهرت بين الناس بالصلاح والتقوى، حتى أصبح بيتها مقصدًا لطالبي العلم والمعرفة. ولم تكن مكانتها نابعة من نسبها الشريف فحسب، على الرغم من شرف انتسابها إلى أهل البيت عليهم السلام، بل أسهمت شخصيتها وأخلاقها وسلوكها في ترسيخ هذه المكانة، فأصبحت سيرتها شاهدًا على أنّ الانتساب الشريف يزداد قيمة حين يقترن بالعمل الصالح والتقوى وخدمة الدين والناس. 
تحتلّ الشخصيات النسائية الصالحة في التاريخ الإسلامي مكانةً متميّزة؛ لأنّ خلود الإنسان لا يرتبط بجنسه ولا بمكانته الاجتماعية أو ثروته، وإنّما بما يتركه من أثر في الإيمان والأخلاق والعلم وخدمة الناس. وقد حفظ التاريخ الإسلامي أسماء نساء استطعن أن يحوّلن حياتهن إلى نماذج مضيئة في العبادة والعلم والصبر والعطاء، حتى بقي ذكرهن حيًّا في وجدان المسلمين بعد مرور القرون.
إنّ سيرتها تكشف جانبًا مهمًا من حضور المرأة في التاريخ العلمي والثقافي والإسلامي. فالمرأة لم تكن دائمًا بعيدة عن مجال العلم والتعليم، بل عرفت الحضارة الإسلامية نساءً شاركن في نقل المعرفة وتدريسها ورعاية طلاب العلم. فينبغي لنسائنا وبناتنا أن يجعلنها أسوة لهنّ في الحياة والمماة.
واليوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول هو يوم ميلادها عليها السلام، فبهذه المناسبة العطرة والميمونة نقدّم لكم مقالا حول هذه السيدة الجليلة.

نسبها

السيدة نفيسة هي بنت الحسن بن زيد بن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. وُلِدَت السيدة نفيسة في مكّة المكرّمة، ونشأت وترعرعت في المدينة المنوّرة(1)، وكانت ولادتها في اليوم الحادي عشر من سنة 145 للهجرة(2). 
وكان والدها الحسن بن زيد قد تولّى إمارة المدينة المنوّرة من قِبَل المنصور العباسي مدّة خمس سنوات، ثم عزله المنصور وسجنه. وقد نقل أنّ أمها كانت أمّ ولد(3). 
وقد ذُكر أنّ البيت الذي كانت تسكن فيه نفيسة في المدينة كان يقع في الجهة الغربية منها، وكان مقابل البيت الذي كان يعود إلى الإمام الصادق عليه السلام(4).

زواجها

تَزَوَّجَت السيدةُ نفيسةُ بإسحاقَ بنَ جعفر، المعروفَ بإسحاق المؤتمن، وهو ابنُ الإمام جعفر الصادق عليه السلام(5). وقد ذكرت بعضُ المصادر المتأخّرة أنّ عمرَها عند الزواج كان خمسَ عشرةَ سنة(6).
وكان إسحاق المؤتمن ثقةً في نقل الحديث، كما كان من الشهود على وصيّة الإمام موسى الكاظم عليه السلام بشأن ابنه الإمام الرضا عليه السلام فقد روى يزيد بن سليط: «لَمَّا أَوْصَى أَبُو إِبْرَاهِيمَ ع أَشْهَدَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيَّ وإِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيَّ وإِسْحَاقَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.»(7).
وقد أنجبت السيدةُ نفيسةُ لإسحاق بن جعفر ولدين، وهما: القاسم وأمّ كلثوم(8).

ذهابها إلى مصر

هناك حكاية جميلة مليئة بالمعنوية والروحانية حول قدوم السيدة نفيسة إلى مصر؛ وقد ورد حول سبب قدومها إلى مصر: «إِنَّ سَبَبَ قُدُومِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ إِلَى مِصْرَ أَنَّهَا حَجَّتْ ثَلَاثِينَ حَجَّةً، وَفِي الْحَجَّةِ الْأَخِيرَةِ تَوَجَّهَتْ مَعَ زَوْجِهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَزَارَتْ قَبْرَ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَتَتْ مَعَ زَوْجِهَا إِلَى مِصْرَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ لِقُدُومِهَا إِلَى مِصْرَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، تَلَقَّاهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مِنَ الْعَرِيشِ، وَنَزَلَتْ أَوَّلًا عِنْدَ كَبِيرِ التُّجَّارِ بِمِصْرَ، وَهُوَ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَصَّاصِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَعْرُوفِ وَالْبِرِّ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ شُهُورًا، يَأْتِي إِلَيْهَا النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الْآفَاقِ لِلتَّبَرُّكِ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَكَانِهَا الْمَدْفُونَةِ بِهِ، وَهَبَهُ لَهَا أَمِيرُ مِصْرَ السَّرِيُّ بْنُ الْحَكَمِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بِنْتًا يَهُودِيَّةً زَمِنَةً تَرَكَتْهَا أُمُّهَا عِنْدَهَا وَذَهَبَتْ إِلَى الْحَمَّامِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ شِفَاءَهَا عَلَى يَدِ السَّيِّدَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ أَسْلَمَتِ الْبِنْتُ وَأَبَوَاهَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْجِيرَانِ، يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ نَحْوَ السَّبْعِينَ نَفَرًا، وَلَمَّا شَاعَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ فِي مِصْرَ إِلَّا قَصَدَ زِيَارَتَهَا، وَكَثُرَ النَّاسُ عَلَى بَابِهَا، فَطَلَبَتِ الرَّحِيلَ إِلَى بِلَادِ الْحِجَازِ، فَشَقَّ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ ذَلِكَ، وَسَأَلُوهَا الْإِقَامَةَ، فَأَبَتْ، فَرَكِبَ إِلَيْهَا السَّرِيُّ بْنُ الْحَكَمِ وَسَأَلَهَا الْإِقَامَةَ، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَقَدْ شَغَلُونِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي، وَمَكَانِي قَدْ ضَاقَ بِهَذَا الْجَمْعِ الْكَثِيفِ. فَقَالَ لَهَا السَّرِيُّ: أَمَّا ضِيقُ الْمَكَانِ فَإِنَّ لِي دَارًا وَاسِعَةً بِدَرْبِ السِّبَاعِ، فَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُهَا لَكِ، وَأَسْأَلُكِ أَنْ تَقْبَلِيهَا مِنِّي، وَأَمَّا الْجُمُوعُ الْوَافِرَةُ فَقَرِّرِي مَعَهُمْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَبَاقِي أَيَّامِكِ فِي خِدْمَةِ مَوْلَاكِ، فَجَعَلَتْ لَهُمُ السَّبْتَ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ.»(9).

كرامتها

قد فهمنا من الرواية السابقة أنّ للسيدة نفيسة عليها السلام كرامات في زمن حياتها، ومنها أنّ الله شافى ابنة يهودية بفضل السيدة نفيسة، وقد أسلم جمع كثير على يديها، وذلك في قوله: «أَنَّ بِنْتًا يَهُودِيَّةً زَمِنَةً تَرَكَتْهَا أُمُّهَا عِنْدَهَا، وَذَهَبَتْ إِلَى الْحَمَّامِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ شِفَاءَهَا عَلَى يَدِ السَّيِّدَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ أَسْلَمَتِ الْبِنْتُ وَأَبَوَاهَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْجِيرَانِ، يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ نَحْوَ السَّبْعِينَ نَفَرًا.»(10).

مكانتها المعنوية

ذكر بعض المصادر التاريخية: «كَانَتْ نَفِيسَةُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ: إِنَّهَا حَجَّتْ ثَلَاثِينَ حَجَّةً، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْبُكَاءِ، تُدِيمُ قِيَامَ اللَّيْلِ وَصِيَامَ النَّهَارِ، فَقِيلَ لَهَا: أَلَا تُرَفِّقِينَ بِنَفْسِكِ؟ فَقَالَتْ: كَيْفَ أُرَفِّقُ بِنَفْسِي وَأَمَامِي عَقَبَةٌ لَا يَقْطَعُهَا إِلَّا الْفَائِزُونَ؟ وَكَانَتْ تَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَتَفْسِيرَهُ، وَكَانَتْ لَا تَأْكُلُ إِلَّا فِي كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ أَكْلَةً وَاحِدَةً.»(11). وقد حجّت السيدة نفيسة ثلاثين مرّة. وذكرت المصادر أنّها كانت من أهل التهجّد، وكانت تُكثر من الصيام. وأنّها حفرت قبرًا لنفسها، وكانت تدخل فيه كلّ يوم، فتصلّي فيه وتختم القرآن. وقيل إنّها ختمت القرآن في ذلك القبر مئةً وتسعين ختمة، وقيل: ألفي ختمة، وقيل أيضًا: ألفًا وتسعمئة ختمة(12).

مكانتها العلمية

كانت السيدة نفيسة على معرفةٍ بتفسير القرآن الكريم والحديث، وكان بعض علماء الحديث يروون عنها. وكان محمد بن إدريس الشافعي، أحد فقهاء المذاهب الأربعة عند أهل السنّة، يأخذ الحديث عنها، كما كان أحمد بن حنبل، إمام الحنابلة، يحضر مجالسها للحديث. وعندما تُوفّي محمد بن إدريس الشافعي، حُمِلَ جثمانه إلى منزل السيدة نفيسة، فحضرت الصلاة عليه، وشاركت في صلاة الجنازة(13).

وفاتها

ذكر في كتاب الدرّ المنثور: «وَقَدْ تُوُفِّيَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ، وَدُفِنَتْ فِي مَنْزِلِهَا الْمَعْرُوفِ بِخَطِّ دَرْبِ السِّبَاعِ بِمِصْر ... وَإِنَّهَا لَمَّا احْتَضَرَتْ خَرَجَتْ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَدِ انْتَهَتْ فِي حِزْبِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾(14). فَفَاضَتْ نَفْسُهَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَةَ﴾»(15).

 


1) الأعلام / خير الدين الزركلي / المجلد: 8 / الصفحة: 44 / الطبع: دار العلم للملايين – بيروت.
2) الدرّ المنثور في طبقات ربات الخدور / زينب فوّاز العاملي / المجلد: 1 / الصفحة: 521 / الطبع: المطبعة الكبرى الأميرية – مصر.
3) البداية والنهاية / إبن كثير / المجلد: 10 / الصفحة: 262 / الطبع: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
4) بانوي كرامت / گلي زواره / المجلد: 1 / الصفحة: 38 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – قم.
5) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار / تقي الدين المقريزي / المجلد: 3 / الصفحة: 638 / الطبع: دار الطباعة المصرية – القاهرة.
6) آل بيت النبي في مصر / أبو كف / المجلد: 1 / الصفحة: 101 / الطبع: دار الطباعة المصرية – القاهرة.
7) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 316 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
8) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار / تقي الدين المقريزي / المجلد: 3 / الصفحة: 637 / الطبع: دار الطباعة المصرية – القاهرة.
9 و10) الدرّ المنثور في طبقات ربات الخدور / زينب فوّاز العاملي / المجلد: 1 / الصفحة: 522 / الطبع: المطبعة الكبرى الأميرية – مصر.
11) الدرّ المنثور في طبقات ربات الخدور / زينب فوّاز العاملي / المجلد: 1 / الصفحة: 521 / الطبع: المطبعة الكبرى الأميرية – مصر.
12) ناسخ التواريخ / محمد تقي سبهر / المجلد: 3 / الصفحة: 120 / الطبع: نشر المطبوعات الديني – قم.
13) الدرّ المنثور في طبقات ربات الخدور / زينب فوّاز العاملي / المجلد: 1 / الصفحة: 521 / الطبع: المطبعة الكبرى الأميرية – مصر. 
14) سورة الأنعام / الآية: 12.
15) الدرّ المنثور في طبقات ربات الخدور / زينب فوّاز العاملي / المجلد: 1 / الصفحة: 521 / الطبع: المطبعة الكبرى الأميرية – مصر.
 

 

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة