السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها ومدينة قم
حينما كانت السيدة المعصومة سلام الله عليها قد ارتبط اسمها بأهل البيت عليهم السلام ارتباطًا وثيقًا، فإنّ ارتباطها بمدينة قم يمثل فصلًا متميزًا في تاريخ هذه المدينة وفي تاريخ التشيع عمومًا. فقد شاءت الظروف أن تكون رحلتها من المدينة المنورة باتجاه خراسان سببًا في وصولها إلى قم، وأن تكون هذه المدينة هي المحطة الأخيرة في حياتها الدنيوية، فاستقبلها أهلها بكل محبة وتكريم، وأصبحت بعد وفاتها مركزًا روحيًا وعلميًا كبيرًا، ارتبط اسمه باسمها المبارك ارتباطًا لا يكاد ينفصل.
وقد كان لقدومها سلام الله عليها إلى قم معنى يتجاوز حدود الرحلة الجغرافية؛ إذ تحولت هجرتها إلى محطةٍ تاريخية ذات أبعاد روحية وعلمية وحضارية. فقد كانت رحلتها في زمنٍ اتسم بالضغوط السياسية التي أحاطت بأهل البيت وشيعتهم؛ ولذلك يمكن النظر إلى هجرتها باعتبارها جزءًا من حركةٍ تاريخية ارتبطت بظروف عصر الإمام الرضا عليه السلام وما رافقها من أحداث. وعندما وصلت إلى قم، وجد أهل المدينة في وجودها المبارك شرفًا عظيمًا، فاحتفوا بها وأكرموها، وأصبحت إقامتها القصيرة فيها ذكرى خالدة لا تزال حاضرةً في وجدان أهلها وزائريها.
واليوم الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول هو يوم دخولها إلى مدينة قم المقدسة؛ ولذا قررنا أن نقدم لكم مقالاّ حول هجرتها سلام الله عليها إلى هذه المدينة.
هجرتها من المدينة إلى قم
قد ورد حول هجرة السيدة الجليلة فاطمة المعصومة عليها السلام من المدينة المنورة إلى قم المقدسة، روايات وأحاديث مختلفة؛ ولهذا قررنا أن نختار لكم ما هو الصحيح حول هذه الهجرة.
سبب الهجرة
إنّ الإرتباط العاطفي والمعنوي بين الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وأخته السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام كانت قوية جدا، حتى إنّ الإمام الكاظم عليه السلام أوصى أن لا تتزوج إلا بإذن من أخيها الإمام الرضا عليه السلام، فأوصى الإمام الكاظم عليه السلام: «ولا يُزَوِّجُ بناتي أَحدٌ من إِخوتهنَّ من أُمَّهاتهنَّ ولا سلطانٌ ولا عَمٌّ إِلَّا برأْيِه -يعني علي الرضا- و مشورته، فإِنْ فعلُوا غير ذلكَ، فقدْ خالفُوا اللَّهَ ورسولهُ»(1).
وهذا الارتباط العاطفي والمعنوي بين الأخ واخته، هو السبب الأساسي الذي تسبب بخروج السيدة فاطمة المعصومة من المدينة المنورة وذهابها إلى مدينة قم المقدسة.
حكاية الهجرة
سننقل لكم تفاصيل هجرتها عن كتب مختلفة.
ورد في كتاب عيون أخبار الرضا عن السجستاني: «لَمَّا وَرَدَ الْبَرِيدُ بِإِشْخَاصِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى خُرَاسَانَ، كُنْتُ أَنَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَسْجِدَ لِيُوَدِّعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَوَدَّعَهُ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْقَبْرِ، وَيَعْلُو صَوْتُهُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ. فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ وَهَنَّأْتُهُ، فَقَالَ: زُرْنِي، فَإِنِّي أَخْرُجُ مِنْ جِوَارِ جَدِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَأَمُوتُ فِي غُرْبَةٍ، وَأُدْفَنُ فِي جَنْبِ هَارُونَ. ثُمَّ قَامَ الْإِمَامُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَمَعَ عِيَالَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامُوا الْمَأْتَمَ عَلَيْهِ قَبْلَ سَفَرِهِ إِلَى خُرَاسَانَ. وَكَانَ خُرُوجُ الْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَدِينَةِ سَنَةَ ٢٠٠هـ، وَشَهَادَتُهُ سَنَةَ ٢٠٣هـ.»(2).
وقد ورد حول خروج السيدة معصومة عليها السلام: «إِنَّهُ لَمَّا أَتَى الْمَأْمُونُ بِالْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَرْوَ لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ سَنَةَ ٢٠٠هـ مِنَ الْهِجْرَةِ، خَرَجَتْ فَاطِمَةُ الْمَعْصُومَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ، أُخْتُهُ، تَقْصِدُهُ سَنَةَ ٢٠١هـ. فَلَمَّا تَلَقَّتْ كِتَابَ أَخِيهَا الْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ، اسْتَعَدَّتْ لِلسَّفَرِ نَحْوَ خُرَاسَانَ، فَخَرَجَتْ مَعَ قَافِلَةٍ تَضُمُّ عَدَدًا مِنْ إِخْوَتِهَا وَأَخَوَاتِهَا وَأَبْنَاءِ إِخْوَتِهَا»(3).
وقال المحقق المؤرخ السيد الروضاتي: «فَلَمَّا وَصَلَ الرَّكْبُ إِلَى سَاوَةَ، حُوصِرَ مِنْ قِبَلِ أَزْلَامِ الْمَأْمُونِ الْعَبَّاسِيِّ، فَقَتَلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَشَرَّدُوا الْبَاقِيَ، وَجَرَحُوا هَارُونَ أَخَا الْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ عَلَيْهَا السَّلَامُ غَيْرُ أَخِيهَا هَارُونَ، وَهُوَ جَرِيحٌ، ثُمَّ هَجَمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ فَقَتَلُوهُ. وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَرْأًى مِنَ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَقَدْ شَاهَدَتْ مَقْتَلَ إِخْوَتِهَا وَأَبْنَائِهِمْ، وَرَأَتْ تَشَرُّدَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ. فَمَاذَا سَيَكُونُ حَالُهَا آنَذَاكَ؟ وَلِذَا فَقَدْ مَرِضَتْ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَقِيلَ: قَدْ دُسَّ إِلَيْهَا السُّمُّ فِي سَاوَةَ، فَمَرِضَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. فَسَأَلَتْ عَنِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قُمَّ، فَقِيلَ لَهَا: عَشَرَةُ فَرَاسِخَ، فَأَمَرَتْ خَادِمًا لَهَا أَنْ يَحْمِلَهَا إِلَى قُمَّ. فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ قُمَّ بِمَا جَرَى عَلَيْهَا وَعَلَى إِخْوَتِهَا، وَعَلِمُوا بِمَقْدَمِهَا إِلَى قُمَّ، خَرَجُوا لِاسْتِقْبَالِهَا، يَتَقَدَّمُهُمْ مُوسَى بْنُ خَزْرَجٍ الْأَشْعَرِيُّ، فَتَشَرَّفَ بِضِيَافَتِهَا، فَمَكَثَتْ فِي مَنْزِلِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَتْ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الثَّانِي.»(4).
استقبال أهل قم منها
ورد في الكتب التاريخ والروايات: «لَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى آلِ سَعْدٍ، اتَّفَقُوا وَخَرَجُوا إِلَيْهَا أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهَا النُّزُولَ فِي بَلْدَةِ قُمَّ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ مُوسَى بْنُ خَزْرَجٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهَا وَجَرَّهَا إِلَى قُمَّ، وَأَنْزَلَهَا فِي دَارِهِ، فَكَانَتْ فِيهَا سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ مَضَتْ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، فَدَفَنَهَا مُوسَى بَعْدَ التَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ فِي أَرْضٍ لَهُ، وَهِيَ الَّتِي الْآنَ مَدْفَنُهَا، وَبَنَى عَلَى قَبْرِهَا سَقْفًا مِنَ الْبَوَارِي.»(5).
مدينة قم قبل السيدة المعصومة
إنّ مدينة قم كانت مدينة مهمة ومقدّسة حتى قبل دخول السيدة فاطمة المعصومة واستقرارها ووفاتها فيها. فقد روي حولها روايات كثيرة عن الإمام الباقر والصادق عليه السلام، فورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «تُرْبَةُ قُمَّ مُقَدَّسَةٌ، وَأَهْلُهَا مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُمْ، لَا يُرِيدُهُمْ جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا عَجَّلَتْ عُقُوبَتَهُ، مَا لَمْ يُحَوِّلُوا أَحْوَالَهُمْ»(6). وأيضا قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِذَا أَصَابَتْكُمْ بَلِيَّةٌ وَعَنَاءٌ فَعَلَيْكُمْ بِقُمَّ، فَإِنَّهُ مَأْوَى الْفَاطِمِيِّينَ وَمُسْتَرَاحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيَأْتِي زَمَانٌ يَنْفِرُ أَوْلِيَاؤُنَا وَمُحِبُّونَا عَنَّا وَيَبْعُدُونَ مِنَّا، وَذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ؛ لِكَيْلَا يُعْرَفُوا بِوِلَايَتِنَا، وَيَحْقِنُوا بِذَلِكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَمَا أَرَادَ أَحَدٌ بِقُمَّ وَأَهْلِهَا سُوءًا إِلَّا أَذَلَّهُ اللَّهُ، وَأَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ»(7).
إذا أردنا أن نبحث عن أهم محطة في تاريخ قم قبل السيدة المعصومة سلام الله عليها، فلا بد من التوقف عند استقرار الأشعريين فيها. كان الأشعريون من أصل يمني، وقد ارتبطت جماعات منهم بالكوفة، ثم انتقل عدد من رجالهم إلى منطقة قم في أعقاب الاضطرابات السياسية التي وقعت في أواخر العصر الأموي. وتذكر المصادر أن عبد الله بن سعد والأحوص بن سعد، وهما من أحفاد أبي موسى الأشعري، قادا جماعة من الأشعريين الذين انتقلوا من الكوفة إلى منطقة قم. وقد كان لاستقرارهم أثر حاسم في تحول القرى المتفرقة إلى تجمع حضري أخذ يتطور تدريجيًا(8).
مدينة قم بعد السيدة المعصومة
هذه المدينة الشريفة إزدادت شرفا وبهائا وجلالة وكرامة بحلول السيدة الجليلة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام فيها. وحينما قدّر الله تعالى أن تدفن السيدة فاطمة المعصومة في هذه المدينة، صارت دليلا آخر؛ لتوّجه حشود الشيعة والموالين لأئمة أهل البيت عليهم السلام إلى هذه المدينة.
وهذا الارتباط بين مدينة قم والسيدة المعصومة عليها السلام كانت من الأمور المقدرة الحتمية، حيث قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ لِلَّهِ حَرَمًا وَهُوَ مَكَّةُ، أَلَا إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ حَرَمًا وَهُوَ الْمَدِينَةُ، أَلَا وَإِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَمًا وَهُوَ الْكُوفَةُ، أَلَا وَإِنَّ قُمَّ الْكُوفَةُ الصَّغِيرَةُ، أَلَا إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إِلَى قُمَّ، تُقْبَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي، اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُوسَى، وَتَدْخُلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ»(9).
1) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 317 / الطبع: مؤسسة الفجر للنشر والطباعة – قم.
2) عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق / المجلد: 2 / الصفحة: 217/ الطبع: نشر الشريف الرضي – قم.
3) تاريخ قم / محمد حسين ناصر الشريعة / المجلد: 1 / الصفحة: 163 / الطبع: نشر رهنمون - قم.
4) جامع الأنساب / محمدعلي الروضاتي / المجلد: 1 / الصفحة: 56 / الطبع: نشر مكتبة المحقق الطباطبايي – قم.
5) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 60 / الصفحة: 219 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
6) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 60 / الصفحة: 219 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 60 / الصفحة: 215 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) تاريخ قم / محمد حسين ناصر الشريعة / المجلد: 1 / الصفحة: 95 / الطبع: نشر رهنمون - قم.
9) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 60 / الصفحة: 228 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.




.jpg/w/300)


