هل تكون الإعاقة البصرية عائقًا أمام الزواج؟
حين نتحدث عن زواج الفتاة الكفيفة، قد يكون أول ما يخطر في أذهاننا سؤالٌ عن الصعوبات التي يمكن أن تواجهها في حياتها الزوجية، لكن ربما يجدر بنا أن نبدأ بسؤال آخر: ماذا تريد هذه الفتاة من الزواج أصلًا؟ هل تختلف أحلامها العاطفية عن أحلام الفتيات الأخريات؟ وهل عدم قدرتها على رؤية وجه الرجل يعني أنّها لا تستطيع أن تحبه أو تختار شريك حياتها؟
والحقيقة أنّ الفتاة الكفيفة، مثل غيرها، تريد أن تُحِب وأن تُحَب، وأن تجد في حياتها الزوجية الأمان والمودة والاحترام. وقد كشفت دراسة نوعية أُجريت على مجموعة من الطالبات الكفيفات في الجامعات عن جوانب مهمة في طريقة نظرهن إلى الحب واختيار شريك الحياة، وأظهرت الدراسة أنّ الإعاقة البصرية لا تلغي الاحتياجات العاطفية والاجتماعية للمرأة، لكنها تجعل بعض تفاصيل العلاقة أكثر أهمية، ولا سيما الثقة والتفاهم والوفاء والاحترام.
الحب لا يبدأ دائمًا من العين
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ الانجذاب العاطفي يحتاج إلى رؤية ملامح الشخص ووجهه وهيئته، لكن تجربة الفتيات الكفيفات تكشف أنّ للحب أبوابًا أخرى.
وبحسب الدراسة، تحدثت المشاركات عن عوامل متعددة يمكن أن تجذبهن إلى الشخص الآخر، مثل نعومة صوته وطريقة حديثه وأخلاقه وحسن تعامله، إلى جانب الاهتمام والدعم والثقة والوفاء. كما كان للمسّ، مثل الإمساك باليد، دور في التعبير عن المشاعر لدى بعضهن، وكذلك العطر والوصف الذي يقدمه الآخرون عن مظهر الشخص.
ومن الأمور اللافتة أن «لغة الجسد» لم تكن غائبة عن علاقات الفتيات الكفيفات، رغم عدم قدرتهن على رؤية حركات الجسد مباشرة، فطريقة المشي والجلوس والحركة والحضور الاجتماعي يمكن أن تعطي انطباعًا عن شخصية الإنسان وحضوره وطريقة تعامله مع الآخرين.
وهذا يعني أنّ الإنسان لا يُختزل في وجهه أو مظهره. فالصوت، والكلمة، وطريقة التعامل، والاهتمام، والصدق، كلها وسائل يمكن أن تكشف الكثير عن الشخصية وتبني مشاعر القرب والثقة.
ماذا تريد الفتاة الكفيفة من زوجها؟
عندما يتعلق الأمر باختيار شريك الحياة، لم تكن الأولوية في الدراسة لمظهر الرجل أو قدرته على تقديم المساعدة فقط، بل برزت مجموعة من المعايير التي تتعلق بشخصيته وعلاقته بزوجته.
وكان الالتزام والوفاء من أبرز المعايير التي ظهرت في كلام المشاركات. فالمرأة، سواء كانت كفيفة أو مبصرة، تحتاج إلى أن تشعر بأنّ الرجل الذي اختارته سيكون وفيًا لها، صادقًا معها، ويحافظ على العلاقة الزوجية.
كما برزت أهمية التفاهم والتوافق والقدرة على التواصل بطريقة مناسبة. فالحياة الزوجية لا تقوم على المشاعر وحدها، بل تحتاج إلى شخصين يستطيع كل منهما فهم الآخر، واحترام احتياجاته، والتعامل مع الاختلافات بطريقة هادئة.
وتضمنت المعايير الأخرى التي ظهرت في الدراسة: الصحة الجسدية والنفسية، والجمال، والصدق، وعدم الخيانة، والاحترام، والوضع المالي المناسب، والتعليم، وامتلاك المنزل، والإيمان. كما كان التوافق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي بين الزوجين والأسرتين من الأمور المهمة.
وهنا تظهر نقطة تستحق التأمل: الإعاقة البصرية لا تعني أنّ الفتاة يجب أن تتنازل عن حقها في اختيار الزوج المناسب. فهي لا تبحث فقط عن شخص «يقبل بها رغم إعاقتها»، بل عن شريك حياة يملك الصفات التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة ومستقرة.
وفي هذا السياق، يذكّرنا القرآن الكريم بأن قيمة الإنسان وكرامته لا تُقاسان بالمظهر أو بالقدرات الجسدية، وإنّما بما يحمله من قيم وأخلاق وتقوى. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (1).
ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تكون الإعاقة البصرية معيارًا للحكم على أهلية المرأة للحب والزواج، بل ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها إنسانة كاملة الكرامة، لها حق الاختيار، ولها احتياجاتها وقدراتها وأحلامها.
«افهمني، لكن لا تعاملني كعاجزة»
ربما تكون هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في زواج المرأة الكفيفة.
قد يأتي الدعم أحيانًا من مكان جميل، وهو الرغبة في حماية من نحب، لكن الحماية الزائدة قد تتحول إلى قيد. فالفتاة التي فقدت نعمة البصر قد تحتاج إلى بعض المساعدة في مواقف معينة، لكنها لا تريد بالضرورة أن يتحول ذلك إلى مراقبة دائمة أو اتخاذ القرارات نيابة عنها.
وأشارت الدراسة إلى رغبة بعض المشاركات في أن يفهم الزوج حدودهن واحتياجاتهن، من دون أن يؤدي ذلك إلى الإفراط في الحماية أو تقييد حركتهن وحياتهن. فالمطلوب ليس أن يتجاهل الزوج الإعاقة وكأنّها غير موجودة، ولا أن يجعلها محور الحياة الزوجية كلها، وإنّما أن يعرف كيف يتعامل معها بطريقة طبيعية ومتوازنة.
وهذا فرق مهم جدًا بين «المساعدة» و«الوصاية».
المساعدة تعني أن أمد يدي عندما تحتاجين إليها، أمّا الوصاية فتعني أن أقرر عنك حتى عندما تستطيعين أن تقرري بنفسك.
والزوج الناجح ليس من يرى زوجته الكفيفة عاجزة، وليس من يتجاهل احتياجاتها، وإنّما من يعرف قدراتها وحدودها، ويعاملها باحترام، ويترك لها المساحة التي تحتاج إليها؛ لتعيش حياتها، وتشارك في بناء أسرتها.
لا تجعلوا الشفقة أساس الزواج
قد تكون الشفقة أول مشاعر تظهر لدى بعض الناس عندما يتعاملون مع شخص ذي إعاقة. وربما يقول الرجل لنفسه: «أريد أن أتزوجها حتى أحميها وأساعدها». وقد تبدو هذه النية نبيلة، لكنها وحدها لا تكفي لبناء زواج ناجح.
فالزواج ليس مشروعًا لإنقاذ شخص، ولا علاقة بين شخص قوي وآخر ضعيف، بل إنّه شراكة بين إنسانين لكل واحد منهما شخصيته واحتياجاته وقدراته؛ ولهذا فإن الفتاة الكفيفة تحتاج إلى أن تشعر بأن زوجها اختارها، لأنّها هي بشخصيتها وأخلاقها وأفكارها، وليس لأنّها حالة تستحق الشفقة.
وفي قبال ذلك، لا ينبغي أن تتحول الإعاقة إلى سبب يدفع الفتاة إلى قبول أي رجل لمجرد أنّه وافق على الزواج منها. من حقها أن تسأل عن أخلاقه، وصدقه، ودينه، ومسؤوليته، وقدرته على التواصل، ووضعه المعيشي، وعلاقته بأسرته، ونظرته إلى المرأة والحياة الزوجية.
الأسرة بين الحماية ومنح الثقة
لا يقتصر الأمر على الزوج وحده. فالأسرة تؤدي دورًا مهمًا في حياة الفتاة الكفيفة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالزواج.
وقد تنطلق بعض الأسر من خوف حقيقي على ابنتها، فتعتقد أنّ عليها أن تكون أكثر حذرًا من غيرها، لكن الخوف إذا تحول إلى منع دائم أو إلى التشكيك في قدرتها على الاختيار، فقد يجعلها تشعر بأنّها أقل قدرة من الآخرين.
ومن الجوانب التي ظهرت في الدراسة رغبة الفتيات في ألا تنظر الأسرة إلى الكفف البصري باعتباره عجزًا شاملًا. فالإنسان قد يفقد حاسة من حواسه، لكنه لا يفقد شخصيته ولا عقله ولا قدرته على الحب وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار.
وبناء عليه، عندما يتقدم رجل للزواج من فتاة كفيفة، تحتاج الأسرة إلى أن تنظر إلى العلاقة بعين واقعية: لا تبالغ في المخاطر لمجرد وجود الإعاقة، ولا تتجاهل المخاطر الموجودة فعلًا. عليها أن تبحث عن شخصية الرجل، ومسؤوليته، وصدقه، وطريقة تعامله مع المرأة، وقدرته على فهم احتياجاتها، ومدى التوافق بين الطرفين.
الحب يمكن أن يمنح الحياة معنى
لا ينظر الإنسان إلى الحب بوصفه مجرد مشاعر جميلة، بل قد يصبح مصدرًا للأمل والدافع والارتباط بالحياة.
وقد وصفت المشاركات في الدراسة آثار الحب الإيجابية، مثل الشعور بالحيوية والأمل، وعيش أيام جميلة لا تُنسى، والشعور بالراحة والهدوء، وزيادة التعلق بالحياة، وامتلاك الدافع لتحمل الصعوبات.
وهذا يوضح لماذا تكون العلاقات العاطفية مهمة للإنسان، ولماذا لا ينبغي النظر إلى المرأة الكفيفة باعتبارها خارج دائرة الحب والزواج لمجرد أنها لا ترى.
لكن الدراسة أظهرت أيضًا الجانب الآخر من التجربة، فالانفصال قد يكون مؤلمًا، وقد يجد الإنسان صعوبة في نسيان من أحبه؛ ولهذا فإنّ الحديث عن زواج الفتيات الكفيفات لا ينبغي أن يكون حديثًا عن «إتاحة الزواج» فقط، بل عن اختيار علاقة صحية وآمنة ومستقرة.
الزواج الناجح لا يحتاج إلى عينين فقط
ربما يكون أجمل ما يمكن أن نتعلمه من تجربة هؤلاء الفتيات أنّ الحياة الزوجية لا تقوم على النظر وحده.
وهناك أشياء لا تراها العين أصلًا، على سبيل المثال: الصدق، والوفاء، والرحمة، والاحترام، والاهتمام، والقدرة على تحمل المسؤولية. وقد يرى الإنسان وجهًا جميلًا، لكنه لا يجد وراءه قلبًا أمينًا. وقد لا ترى الفتاة الكفيفة ملامح الرجل، لكنها تستطيع أن تعرفه من صوته وكلامه ومواقفه وطريقة تعامله معها ومع الآخرين.
لذلك، فإنّ السؤال الحقيقي عند الحديث عن زواج المرأة الكفيفة ليس: «هل تستطيع أن تتزوج؟»، وإنما: «هل وجدت الشخص الذي يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا لها؟».
إنّها لا تحتاج إلى رجل يرى عنها العالم، بل إلى رجل يساعدها على أن تعيش عالمها بكرامة واستقلال. لا تحتاج إلى شخص يشعر أنّها عبء عليه، بل إلى شريك يرى فيها إنسانة كاملة لها مشاعرها وأحلامها وقدراتها. لا تحتاج إلى من يحميها من الحياة، بل إلى من يمسك بيدها عندما تحتاج إلى يده، ثم يتركها تمضي عندما تستطيع أن تمضي وحدها.
وفي النهاية، ربما لا يكون أهم ما تحتاج إليه الفتاة الكفيفة في الزواج أن تجد من «يتقبل إعاقتها»، بل أن تجد من يحترم إنسانيتها، ويفهم احتياجاتها، ويثق بقدراتها، ويكون لها زوجًا وفيًا وشريكًا حقيقيًا في الحياة.
1. سورة الحجرات ، الآية : 13.
.jpg/w/600)

.jpg/w/400)




