قيادة الفتيات في المجتمع
يقول شعار اليوم العالمي للفتاة: «الفتاة التي أكونها والتغيير الذي أقود»، وهو شعار يلفت انتباهنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن الفتاة ليست مجرد فرد ينتظر أن يتغير العالم من حوله، بل هي إنسانة قادرة على أن تكون جزءًا من هذا التغيير، وأن تسهم بعلمها ووعيها وأخلاقها ومبادراتها في بناء مجتمع أفضل. لكن الفتاة المسلمة، عندما تسمع هذا الشعار، قد تطرح سؤالًا أعمق: هل منحني الإسلام أصلًا مساحة للتأثير في المجتمع؟ هل أستطيع أن أتحمل مسؤولية اجتماعية؟ وهل يمكنني أن أتولى إدارة مؤسسة أو قيادة مشروع أو المشاركة في صنع القرارات التي تؤثر في حياة الناس؟
هذه الأسئلة ليست هامشية؛ لأنّها تتصل بصورة المرأة في الإسلام، وبحدود دورها في الحياة العامة، وبالعلاقة بين الأحكام الدينية وقدرات المرأة ومسؤولياتها الاجتماعية. وهي تقودنا إلى موضوع مهم، هو حكم تولّي المرأة المناصب الإدارية والسياسية في الفقه الإسلامي. ومن هنا، لا يكفي أن نتحدث عن الفتاة بوصفها صاحبة أحلام وطموحات، بل ينبغي أن نبحث أيضًا عن المساحة التي يتيحها لها الإسلام لتحقيق هذه الطموحات، وعن الضوابط التي تنظم مسؤوليتها، وعن الطريقة التي يمكن بها أن تتحول قدراتها الفردية إلى أثر إيجابي في المجتمع.
ماذا تعني القيادة في حياة الفتاة؟
عندما نسمع كلمة القيادة، قد يتبادر إلى أذهاننا رئيسة دولة، أو وزيرة، أو مديرة مؤسسة كبيرة. لكن القيادة أوسع من ذلك بكثير، فهي تعني القدرة على تحمّل المسؤولية، وحسن اتخاذ القرار، والتأثير الإيجابي في الآخرين، والعمل على تحقيق أهداف نافعة. قد تكون الفتاة قائدة في مدرستها عندما تطلق مبادرة لمساعدة زميلاتها، أو في جامعتها عندما تنظم مشروعًا علميًا، أو في مجتمعها عندما تسهم في حل مشكلة اجتماعية. وقد تكون قائدة في أسرتها عندما تجمع أفرادها على التعاون والحوار، أو في المجال الثقافي عندما تستخدم معرفتها للدفاع عن القيم الإنسانية ونشر الوعي.
فإنّ القيادة بهذا المعنى ليست مجرد منصب يمنح صاحبه سلطة على الآخرين، بل هي مسؤولية تتطلب المعرفة والأمانة والحكمة والقدرة على التعامل مع الناس.
المرأة المسلمة مسؤولة عن المجتمع
عند البحث عن مكانة المرأة في الإسلام، ينبغي أن ننطلق من النظرة القرآنية إلى الإنسان، لا من الصور الاجتماعية الشائعة وحدها. فالقرآن الكريم يجعل التقوى والعمل الصالح أساسًا في التفاضل بين الناس، ويقرر أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمجرد كونه رجلًا أو امرأة، بل بما يحمله من إيمان وعمل صالح. فيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(1). كما يؤكد القرآن الكريم اشتراك الرجال والنساء في أصل المسؤولية الإيمانية والأخلاقية، فيقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(2).
تلفت هذه الآية الانتباه إلى أنّ العلاقة بين المؤمنين والمؤمنات ليست علاقة عزلة أو انعدام للمسؤولية المشتركة، بل علاقة تعاون وتناصر ومشاركة في إصلاح المجتمع. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد نصيحة فردية في كل الأحوال؛ فقد يحتاج إلى وعي بالمشكلات، ومعرفة بطرق معالجتها، وقدرة على التأثير في المحيط الاجتماعي. وهذا يفتح أمام المرأة مجالًا واسعًا للمساهمة في الإصلاح، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته والمسؤولية التي يتحملها.
المرأة في المناصب السياسية
ليس كل عمل إداري من نوع واحد، كما أن جميع المناصب السياسية لا تحمل الصلاحيات نفسها. فإدارة مدرسة، أو مؤسسة خيرية، أو قسم في مستشفى، تختلف عن تولّي وزارة، كما تختلف هذه المسؤوليات عن منصب قيادة الدولة؛ ولهذا فإنّ مناقشة حكم إدارة المرأة تحتاج إلى التمييز بين أمور قد تختلط في النقاش العام.
الأمر الأول: ممارسة الإدارة بوصفها عملًا
والمقصود بها تنظيم الأعمال، وتوزيع المهام، ومتابعة تنفيذ الخطط، واتخاذ القرارات اللازمة لتسيير مؤسسة أو مشروع. وهذه الأعمال لا تتطلب مجرد امتلاك السلطة، بل تحتاج إلى العلم والخبرة وحسن التدبير. ولا يوجد منع شرعي عن تولي هذا النوع من المهام للفتيات والنساء المسلمات بشرط وجود الخبرة والعلم والتدبير الكافي.
الأمر الثاني: تولّي منصب سياسي له صلاحيات عامة
فبعض المناصب لا تقتصر على إدارة العمل اليومي، بل تتضمن صلاحيات قانونية أو سياسية واسعة، وقد تتصل باتخاذ قرارات ملزمة للآخرين. وهنا يبرز البحث الفقهي في طبيعة المنصب، وشروط تولّيه، والأدلة التي يمكن أن تثبت مشروعيته.
الأمر الثالث: منصب قيادة الدولة
وهذا موضوع أكثر تحديدًا، ولا يصح أن نخلطه بجميع أشكال الإدارة. فقد يختلف الحكم الفقهي المتعلق بمنصب بعينه عن الحكم المتعلق بإدارة مؤسسة أو تولّي مسؤولية سياسية أخرى.
وهذا التفريق مهم؛ لأنّ القول بأنّ مسألة معينة محل بحث فقهي لا يعني أن جميع المناصب ممنوعة، كما أنّ إثبات جواز نوع من الإدارة لا يكفي وحده لإثبات حكم جميع المناصب السياسية.
رأي الشريعة الإسلامية في تولي المناصب
إنّ تولّي النساء المناصب السياسية، باستثناء منصب قيادة الدولة بالمعنى الذي يتناوله البحث، لا يثبت منعه شرعًا على نحو عام.
المنع عن قيادة الدولة
المقصود بقيادة الدولة ليس مجرد إدارة وزارة أو مؤسسة حكومية، بل تولّي زمام الحكم العام، أي المنصب الأعلى الذي يتولى قيادة المجتمع وإدارة شؤونه السياسية العامة.
وفي مجال تولي النساء والفتيات لهذا المنصب العالي، فبعض الفقهاء يعدّون المناصب السياسية العليا من قبيل الولاية، ويرون أن إسنادها إلى المرأة يحتاج إلى دليل شرعي يثبت جواز ذلك. وإذا لم يثبت هذا الدليل، فإنهم يستندون إلى أصل عدم ثبوت ولاية الإنسان على غيره من دون إذن شرعي. وبالإضافة إلى هذا، فإنّ هناك روايات تدلّ على منع تولي النساء لهذا المنصب العالي. منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إِيَّاكُمْ ومُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ فِيهِنَّ الضَّعْفَ والْوَهْنَ والْعَجْزَ»(3). وأيضا روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «طَاعَةُ الْمَرْأَةِ نَدَامَةٌ»(4). وأيضا روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا بلغه أن فارسا ملكوا ابنة كسرى، قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»(5).
تولي باقي المناصب
لكن الشريعة الإسلامية لا يمنع من تولي النساء والفتيات لباقي مناصب القيادة، بل يوجد حثّ في بعض الروايات على المشورة مع النساء وتوليهن لبعض الأمور وكونهنّ أعلم من الكثير من الرجال. وفي هذا يقول أميرالمؤمنين عليه السلام: «إِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ جُرِّبَتْ بِكَمَالِ عَقْلٍ»(6). وأيضا روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «فِي الْمَرْأَةِ تَحُجُّ عَنِ الرَّجُلِ الصَّرُورَةِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ قَدْ حَجَّتْ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً فَقِيهَةً، فَرُبَّ امْرَأَةٍ أَفْقَهُ مِنْ رَجُلٍ.»(7).
ربما يبدأ التغيير من المكان الذي تقفين فيه اليوم
لا ينبغي أن تنتظر الفتاة حتى تحصل على منصب كبير؛ لكي تبدأ في إحداث التغيير. يمكنها أن تبدأ بتطوير نفسها، واكتساب المعرفة، ومساعدة من حولها، والمشاركة في المبادرات النافعة، وتعلّم تحمل المسؤولية في كل مرحلة من مراحل حياتها. وإذا كانت تطمح يومًا إلى إدارة مؤسسة أو المشاركة في صنع القرارات العامة، فإنّ إعداد نفسها من الآن بالعلم والخبرة والأخلاق سيكون خطوة مهمة نحو ذلك الهدف. ليس المطلوب من الفتاة أن تكون نسخة من شخص آخر، ولا أن تسير جميع الفتيات في الطريق نفسه. فالمطلوب أن تعرف قدراتها، وتفهم مسؤولياتها، وتبحث عن المجال الذي تستطيع أن تقدم فيه خيرًا حقيقيًا.
وربما لا يبدأ التغيير الكبير الذي ستقودينه من منصب سياسي، ولا من مؤسسة واسعة، ولا من قرار يسمعه الناس جميعًا؛ ربما يبدأ من المكان الذي تقفين فيه اليوم. قد يبدأ من سؤال تطرحينَه بحثًا عن الحقيقة، أو علم تتعلمينه؛ لتنفعي به الآخرين، أو مشكلة تقررين ألا تتجاهليها، أو مبادرة صغيرة تنجحين في تحويلها إلى عمل مستمر. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعلم والعمل والأمانة، وبالفرص التي يمنحها المجتمع للفتيات كي ينمّين قدراتهن ويسهمن في الخير.
1) سورة الحجرات / الآية: 13.
2) سورة التوبة / الآية: 71.
3) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 5 / الصفحة: 517 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 5 / الصفحة: 517 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 32 / الصفحة: 194 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
6) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 103 / الصفحة: 253 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
7) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 4 / الصفحة: 306 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.







