الإنفاق في ميزان روايات أهل البيت عليهم السلام
جعل الإسلام المال أمانةً في يد الإنسان، ولم ينظر إليه على أنّه غاية بحدّ ذاته، وإنّما وسيلة لإعمار الحياة، وتحقيق التكافل، وصيانة كرامة الإنسان. ومن هنا احتلّ الإنفاق منزلةً رفيعة في القرآن الكريم ومكانة في روايات أهل البيت عليهم السلام، حتى أصبح من أبرز علامات الإيمان وصدق اليقين بالله تعالى. فالمنفق لا يقدّم جزءاً من ماله فحسب، بل يعلن ثقته بوعد الله، وإيمانه بأنّ الرزق بيد الخالق سبحانه، وأنّ ما يُنفق في سبيل الخير لا يضيع، بل يعود على صاحبه بركاتٍ في الدنيا وأجراً مضاعفاً في الآخرة.
ولعلّ بعض الناس يحصر مفهوم الإنفاق في الصدقة على الفقراء والمساكين، بينما تكشف النصوص الإسلامية عن معنى أوسع وأشمل، فالإنفاق يشمل كل مال يُصرف في طاعة الله، ومن أعظم مصاديقه الإنفاق على الزوجة والأولاد والوالدين، بل إن النفقة الواجبة على العائلة تُعدّ عبادةً يتقرّب بها المؤمن إلى الله تعالى إذا اقترنت بالإخلاص وحسن النية.
وفي زمنٍ تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية، وتكثر فيه المخاوف من المستقبل، تذكّرنا روايات أهل البيت عليهم السلام بأن البركة ليست بكثرة المال، وإنّما بحسن إنفاقه، وأنّ البخل لا يزيد المال إلا نقصاً، بينما السخاء يفتح أبواب الرزق، ويجلب العوض الإلهي.
الإنفاق... دليل الثقة بالله تعالى
تكررت الآيات القرآنية التي تحث المؤمنين على المبادرة إلى الإنفاق قبل فوات الأوان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾(1).
وقال سبحانه: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾(2).
فالقرآن الكريم يربط الإنفاق بالاستعداد للآخرة، ويجعل ما يقدّمه الإنسان في حياته ذخيرةً ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون.
وقد أكدت روايات أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى، فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «مَنْ يَبْسُطْ يَدَهُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا وَجَدَهُ يُخْلِفِ اللَّهُ لَهُ مَا أَنْفَقَ فِي دُنْيَاهُ، ويُضَاعِفْ لَهُ فِي آخِرَتِهِ.»(3).
وهذه الرواية ترسم للمؤمن قاعدةً عظيمة، وهي أنّ المال الذي يُنفق في سبيل الخير لا ينقص، بل يخلفه الله تعالى بأفضل منه، سواء كان ذلك برزقٍ ظاهر، أو بركةٍ في المال، أو دفع بلاء، أو ثوابٍ مدّخر في الآخرة.
اليقين بالخلف الإلهي سرّ السخاء
من أعظم الأسباب التي تمنع الإنسان من الإنفاق خوف الفقر، بينما تعالج الروايات هذا الخوف بتعميق اليقين بوعد الله تعالى.
فقد روي عن الإمامين الصادقين عليهما السلام: «يُنْزِلُ اللَّهُ الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْعَبْدِ بِقَدْرِ الْمَئُونَةِ، فَمَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ سَخَتْ نَفْسُهُ بِالنَّفَقَةِ.»(4).
فالإنسان كلما ازداد يقينه بأنّ الله هو الرازق، أصبح أكثر اطمئناناً عند الإنفاق؛ لأنّه يعلم أنّ ما عند الله خير، وأبقى.
وبناء عليه، كان المؤمنون ينظرون إلى الصدقة والإنفاق على أنّهما استثمارٌ حقيقي، وليس خسارة مالية؛ لأنّ الربح فيهما مضمون بوعد الله سبحانه.
لا تحتقر القليل من الإنفاق
ومن الأخطاء الشائعة أنّ بعض الناس يؤخر الإنفاق حتى يمتلك مالاً كثيراً، بينما مدرسة أهل البيت عليهم السلام تدعو إلى المبادرة ولو بالقليل.
فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه سأل أحد مواليه:
« هَلْ أَنْفَقْتَ الْيَوْمَ شَيْئاً؟
قال: لَا، واللَّهِ.
فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام: فَمِنْ أَيْنَ يُخْلِفُ اللَّهُ عَلَيْنَا؟ أَنْفِقْ ولَوْ دِرْهَماً وَاحِداً.»(5).
إنّ هذه الرواية تحمل درساً تربوياً عميقاً، فالمطلوب ليس حجم المال، وإنّما دوام العطاء. فالدرهم الذي يُنفق بإخلاص قد يكون سبباً لنزول البركة، كما أنّ الاستمرار على الإنفاق يربي النفس على السخاء ويمنعها من التعلق بالدنيا.
ولهذا جرى على ألسنة المؤمنين قولٌ مشهور يحمل معنىً جميلاً: «اصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب».
ومع أن هذه العبارة ليست حديثاً، إلا أن مضمونها ينسجم مع ما أكدته الروايات من أنّ الإنفاق سببٌ للخلف الإلهي والرزق المبارك.
الإنفاق على العائلة... من أعظم القربات
قد يظن البعض أن النفقة على الزوجة والأولاد مجرد واجب اجتماعي، بينما جعلها الإسلام عبادةً وقربةً إلى الله تعالى.
فالزوج عندما يوفر لزوجته المنزل المناسب، والطعام، والكسوة، وسائر احتياجاتها، فإنّه لا يؤدي واجباً قانونياً فحسب، بل يطيع الله عز وجل، ويحفظ الأسرة من التفكك، ويؤسس لبيتٍ يسوده الأمن والطمأنينة.
وقد قرر الفقه الإمامي أن نفقة الزوجة الدائمة واجبة على الزوج إذا توفرت شروطها الشرعية، ومن أهمها:
• أن تكون الزوجة بعقد دائم.
• أن تكون مطيعةً لزوجها فيما يجب عليها شرعاً.
• ألا تكون مرتدة.
• وأن تكون بالغةً صالحةً للاستمتاع.
وأمّا مقدار النفقة فلم يحدده الشارع بمبلغ معين، وإنما تركه للعرف، بحيث يوفر الزوج ما تحتاج إليه زوجته من الطعام، واللباس، والسكن، والفراش، وسائر الحاجات المتعارفة بحسب حالها وظروف المجتمع الذي تعيش فيه.
وهذا التشريع يكشف مرونة الإسلام وواقعيته؛ لأنّ حاجات الناس تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
النفقة على الوالدين والأقارب
لم يقتصر الإسلام على رعاية الزوجة، بل وسّع دائرة المسؤولية لتشمل الوالدين والأولاد وسائر من تجب نفقتهم.
فمن الأحكام الفقهية الثابتة وجوب الإنفاق على الأبوين وإن علوا، وعلى الأولاد وإن نزلوا، إذا كانوا فقراء لا يجدون ما يكفيهم للعيش.
ويشترط في ذلك أمران:
الأول: أن يكون القريب محتاجاً بالفعل ولا يجد مؤونة نفسه.
والثاني: أن يكون المنفق قادراً على النفقة بعد تأمين حاجاته الأساسية ونفقة زوجته الواجبة.
وهذا النظام يجعل الأسرة الإسلامية متماسكة، فلا يُترك الوالدان عند الكبر، ولا يُهمل الأبناء عند الحاجة، بل تتحول الأسرة إلى شبكة رحمة وتكافل، وهو ما يفتقده كثير من المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الفردي.
ثمار الإنفاق في الحياة
للإنفاق آثار كثيرة لا تقتصر على الجانب المالي، بل تشمل الفرد والمجتمع معاً، فمن أبرز ثماره:
• نزول البركة في الرزق
• زيادة الثقة بالله تعالى
• تطهير النفس من البخل والشح
• تقوية الروابط الأسرية
• إشاعة روح التكافل بين المؤمنين
• ادخار الأجر والثواب ليوم القيامة
• دفع البلاء واستجلاب الرحمة الإلهية
ولذلك كان أهل البيت عليهم السلام من أكثر الناس كرماً، وسخاءً، وبذلاً، وعطاءً، حتى في أشد ظروفهم المعيشية؛ لأنّهم كانوا يرون المال وسيلةً لخدمة الناس والتقرب إلى الله، لا غايةً يتنافس عليها الناس.
الإنفاق في مجالس الإمام الحسين عليه السلام
ومن أعظم صور الإنفاق التي يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى في هذه الأيام المباركة، الإنفاق في خدمة الإمام الحسين عليه السلام وإحياء شعائره المباركة.
فالمال الذي يُبذل لإقامة المجالس الحسينية، أو إعداد الطعام للزائرين والمعزين، أو دعم المواكب، أو طباعة الكتب والمنشورات، أو خدمة الخطباء والرواديد، أو إعانة الفقراء باسم الإمام الحسين عليه السلام، يدخل في مصاديق الإنفاق في سبيل الله، لما يترتب عليه من إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام ونشر معارفهم.
وقد أثبتت التجربة عبر القرون أنّ الأموال التي تُنفق في خدمة الإمام الحسين عليه السلام لا تنقص أصحابها، بل يرى كثير من المؤمنين آثار البركة في أرزاقهم وأعمارهم وأبنائهم، مصداقاً لوعد الله تعالى بالخلف على المنفقين.
كما أنّ الإنفاق في المجالس الحسينية لا يقتصر أثره على الجانب المادي، بل يسهم في حفظ الهوية الإيمانية، وتربية الأجيال على حبّ أهل البيت عليهم السلام، وترسيخ قيم التضحية والإيثار التي استشهد الإمام الحسين عليه السلام من أجلها.
ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يعدّ ما يبذله في خدمة سيد الشهداء عليه السلام ذخيرةً ليوم القيامة، وأن يستحضر نية القربة والإخلاص، فإنّ قيمة العمل عند الله ليست بكثرته فحسب، بل بصدق النية فيه، وكلما اجتمع الإخلاص مع كثرة البذل في وجوه الخير كان الأجر أعظم، والثواب أوفر، والبركة أوسع.
الخاتمة
إنّ الإنفاق في المنظور الإسلامي ليس مجرد معاملة مالية، بل هو مدرسة إيمانية تُربّي الإنسان على الثقة بالله، وتحرّره من أسر الشح، وتجعله سبباً في إسعاد أسرته ومجتمعه. وقد أرشدتنا روايات أهل البيت عليهم السلام إلى أنّ كل نفقة تُبذل في طاعة الله هي تجارة رابحة، سواء كانت صدقة على فقير، أو نفقة على الزوجة والأولاد، أو إحساناً إلى الوالدين، أو خدمةً لمجالس الإمام الحسين عليه السلام.
فما أحوجنا اليوم إلى إحياء هذه الثقافة في بيوتنا ومجتمعاتنا، وأن نغرس في نفوس أبنائنا أنّ المال يبارك بالعطاء لا بالاكتناز، وأنّ اليد المعطاءة هي اليد التي ينظر الله إليها بعين الرحمة، فيخلف عليها في الدنيا، ويضاعف لها الأجر في الآخرة، كما وعد سبحانه، وهو خير الرازقين.
1. سورة البقرة: الآية 254.
2. سورة إبراهيم: الآية 31.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 4 / الصفحة : 43 / ط الاسلامية.
4. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 4 / الصفحة : 44 / ط الاسلامية.
5. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 4 / الصفحة : 44 / ط الاسلامية.

