سيرة الإمام الحسن عليه السلام في الحياة العائلية
تبرز شخصية الإمام الحسن عليه السلام في الحياة العائلية بوصفها امتدادًا لمنهج النبوة، حيث كان يُجسِّد في بيته القيم التي دعا إليها الإسلام، ويحرص على ترسيخ مبادئ الإسلامية. كما اتسمت علاقته بزوجاته وأولاده وسائر أفراد أسرته بالرفق، والكرم، والحلم، والصبر، وهي صفات شكّلت أساسًا متينًا لاستقرار الأسرة المسلمة، وأصبحت نموذجًا يُقتدى به في بناء العلاقات الأسرية السليمة.
ولا تقتصر أهمية دراسة الحياة العائلية للإمام الحسن (عليه السلام) على الجانب التاريخي فحسب، بل تمتد إلى بيان النموذج الإسلامي في بناء الأسرة القائمة على المودة والرحمة، واحترام الحقوق، والتعاون، وحسن المعاشرة. فقد قدّم الإمام الحسن (عليه السلام) من خلال سلوكه العملي صورةً مشرقةً للعلاقة بين أفراد الأسرة، تقوم على المحبة، والعفو، والإحسان، وتحمل المسؤولية، وهو ما جعل حياته العائلية مصدرًا غنيًّا للدروس التربوية والأخلاقية التي يحتاجها المجتمع في كل زمان. واليوم السابع من شهر صفر المظفر يوافق ذكرى شهادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فقررنا أن نقدم لكم مقالا حول سيرته العملية في الحياة العائلية.
الاحترام المتبادل في الأسرة
يحتل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام منزلةً عظيمةً في الإسلام، فهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد نشآ في بيت الوحي، وهما من الأئمة الاثني عشر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وعلى الرغم من اشتراكهما في الفضل والعصمة، فقد حافظ كل واحد منهما على أعلى درجات الأدب مع الآخر، فكانت علاقتهما نموذجًا راقيًا للأخوة القائمة على المحبة والاحترام والتواضع.
فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام: «إنَّ الحُسَينَ عليه السلام كانَ إذا حَضَرَ الحَسَنُ عليه السلام، لم يَنطِق في ذلِكَ المَجلِسِ حَتّى يَقومَ.»(1). وهذا السلوك يكشف أنّ الاحترام لا يُبنى على التفاضل في القيمة الإنسانية، وإنّما على مراعاة الآداب الشرعية والاجتماعية، وصيانة مكانة الآخرين، ولا سيما داخل الأسرة.
وأيضا روى ابن شهر آشوب عن الإمام الباقر عليه السلام: «ما تَكَلَّمَ الحُسَينُ عليه السلام بَينَ يَدَيِ الحَسَنِ عليه السلام إعظاما لَهُ، ولا تَكَلَّمَ مُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ بَينَ يَدَيِ الحُسَينِ عليه السلام إعظاما لَهُ.»(2). وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما مَشَى الحُسَينُ عليه السلام بَينَ يَدَيِ الحَسَنِ عليه السلام قَطُّ، ولا بَدَرَهُ بِمَنطِقٍ إذَا اجتَمَعا تَعظيما لَهُ.»(3).
تواجه كثير من الأسر المعاصرة تحديات ناتجة عن ضعف الحوار، وكثرة المقاطعة، وارتفاع نبرة النقاش، وعدم احترام وجهات النظر المختلفة. ويمكن الاستفادة من سيرة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام في معالجة هذه المشكلات.
انتخاب الزوج والزوجة الصالحين
قد ورد في رواية جميلة: «جاء رجلٌ إلى الحسنِ عليه السلام يستشيرُه في تزويجِ ابنتِه، فقال: زوِّجْها من رجلٍ تقيٍّ، فإنّه إن أحبَّها أكرمَها، وإن أبغضَها لم يظلِمْها.»(4).
ويعدّ انتخاب الزوجة الصالحة أو الزوج الصالح، من أهم الأمور في الحياة العائلية. فإنّ العائلة تتشكل من الزوج والزوجة في الوهلة الأولى، وإلى هذا أشار الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. جعل الإمام الحسن عليه السلام التقوى المعيار الأول في اختيار الزوج؛ لأنّ الإنسان التقي يستشعر رقابة الله تعالى في جميع تصرفاته، ويلتزم بأحكام الشريعة في تعامله مع زوجته وأسرته. فالزوج التقي لا يقتصر على أداء الواجبات الظاهرة، بل يحرص على حسن المعاشرة، والعدل، والرحمة، والصبر، وحفظ الحقوق، ويبتعد عن الظلم والإساءة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(5).
دور الأم في تربية الأبناء
إن شخصية الطفل لا تتكون من العوامل الوراثية وحدها، بل تتأثر تأثرًا كبيرًا بالقدوة اليومية التي يجدها في والدته، وبالقيم التي تغرسها فيه منذ سنواته الأولى. الأم هي الركن الأساس في بناء شخصية الأبناء، فهي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل مبادئ الإيمان والأخلاق والسلوك، ومنها تتشكل ملامح شخصيته واتجاهاته الفكرية والنفسية.
وقد أولى الإسلام عنايةً كبيرةً بمكانة الأم ودورها التربوي، فجعل صلاح الأسرة مرتبطًا إلى حدٍّ بعيد بصلاحها، وعدّها شريكةً أساسيةً في صناعة الأجيال وبناء المجتمع. وإلى هذا أشار الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في مناظرته مع معاوية، فقد ورد عنه أنّه قال: «لَمَّا بُويِعَ مُعَاوِيَةُ خَطَبَ، فَذَكَرَ عَلِيًّا، فَنَالَ مِنْهُ، وَنَالَ مِنَ الْحَسَنِ، فَقَامَ الْحُسَيْنُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ ق،َامَ فَقَالَ: أَيُّهَا الذَّاكِرُ عَلِيًّا، أَنَا الْحَسَنُ، وَأَبِي عَلِيٌّ، وَأَنْتَ مُعَاوِيَةُ، وَأَبُوكَ صَخْرٌ، وَأُمِّي فَاطِمَةُ، وَأُمُّكَ هِنْدٌ، وَجَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَدُّكَ حَرْبٌ، وَجَدَّتِي خَدِيجَةُ، وَجَدَّتُكَ قُتَيْلَةُ، فَلَعَنَ اللَّهُ أَخْمَلَنَا ذِكْرًا، وَأَلْأَمَنَا حَسَبًا، وَشَرَّنَا قَدَمًا، وَأَقْدَمَنَا كُفْرًا وَنِفَاقًا.»(6).
وتكشف مناظرة الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية عن أهمية البيئة الأسرية في تكوين شخصية الإنسان، وتبرز المكانة العظيمة للأم بوصفها أول مربية للأجيال.
الإحسان إلى العاملين والخَدَم
المجتمع الذي يريد الإسلام بناءه ليس مجتمعاً يقوم على السلطة والتسلط، وإنّما على الرحمة، والتقدير، وحفظ الكرامة، ومكافأة المعروف. وقد ورد حول الإمام الحسن عليه السلام: «جَاءَتْ جَارِيَةٌ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِطَاقَةِ رَيْحَانٍ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَدَّبَنَا اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾(7)، وَكَانَ أَحْسَنُ مِنْهَا إِعْتَاقَهَا(8).
الإنسان بطبيعته يحتاج إلى من يقدّر جهده، ويشكره على معروفه، ويشعره بأنّ عمله لم يذهب سدى؛ ولهذا فإنّ التشجيع ليس مجرد مجاملة، بل هو وسيلة تربوية عظيمة. الإمام الحسن عليه السلام لم يكتفِ بالشكر اللفظي، بل قدّم أعظم مكافأة ممكنة في ذلك الزمان.
العفو والمسامحة في العائلة
كل إنسان يحمل شخصية مختلفة عن الآخر، وله أسلوبه في التفكير والتعبير؛ ولذلك فإنّ الاحتكاك اليومي بين الزوجين، أو بين الآباء والأبناء، أو بين الإخوة، قد يؤدي إلى سوء فهم أو كلمة قاسية أو تصرف غير مقصود. ولو أنّ كل خطأ بقي محفوظاً في الذاكرة، وكل إساءة قوبلت بإساءة؛ لتحولت الحياة الأسرية إلى سلسلة من النزاعات المتواصلة.
ومن المفاهيم الخاطئة أنّ بعض الناس يظنون أنّ المسامحة تعني الضعف أو التنازل عن الكرامة، لكن الإسلام يقدم صورة مختلفة تماماً عنها. فالإنسان القوي ليس الذي ينتقم عند كل إساءة، وإنّما الذي يملك نفسه عند الغضب. وقد قال الإمام الحسن عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ أَحْسَنَ الْأَدَبِ، فَقَالَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾(9)، فَلَمَّا وَعَى مَا أَمَرَهُ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(10)، فَقَالَ لِجَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَمَا الْعَفْوُ؟ قَالَ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(11)»(12).
والعلاقة الزوجية من أكثر العلاقات حاجة إلى التسامح؛ لأنّ الزوجين يعيشان تفاصيل الحياة اليومية بكل ما فيها من ضغوط ومسؤوليات، وقد ينسى أحدهما موعداً مهماً، وقد يتلفظ بكلمة لم يقصد بها الإساءة، وقد يقصر في أداء بعض الواجبات. ولو أصبحت كل هفوة سبباً للنزاع، فلن تستقر الحياة الزوجية. إنّ الزوج الذي يعفو عن زلة زوجته، والزوجة التي تتجاوز عن خطأ زوجها، يفتحان باباً واسعاً لاستمرار المودة.
والمسامحة لا تعني أن يُهمِل الإنسان الاعتذار إذا أخطأ، بل إن الاعتذار الصادق من أجمل الأخلاق، والعفو يكمل هذا الاعتذار. فالأسرة السليمة تقوم على أمرين متلازمين: الاعتراف بالخطأ، والاستعداد للعفو عنه.
1) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 291 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) مناقب آل أبي طالب / إبن شهر آشوب / المجلد: 3 / الصفحة: 401 / الطبع: المكتبة الحيدرية – النجف الأشرف.
3) مستدرك الوسائل / الشيخ حسين النوري / المجلد: 8 / الصفحة: 393 / الطبع: مؤسسة آل البيت – قم.
4) مكارم الأخلاق / رضي الدين الطبرسي / المجلد: 1 / الصفحة: 204 / الطبع: مؤسسة الأعلمي – بيروت.
5) سورة النساء / الآية: 19.
6) مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الاصفهاني / المجلد: 1 / الصفحة: 78 / الطبع: دار الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
7) سورة النساء / الآية: 85.
8) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 343 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
9) سورة الأعراف / الآية: 199.
10) سورة الحشر / الآية: 7.
11) سورة القلم / الآية: 4.
12) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 114 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.


