أم وهب هي إحدى النساء المؤمنات اللاتي ضحين بكل ما لديهن لأجل إمامهن. لكن الجدير بالذكر هو أنه ذُكر في كتب التاريخ وفي واقعة عاشوراء امرأتان باسم أم وهب، وكلتاهما ضحّتا بعيالهما في سبيل الحق والدفاع عن الإمام الحسين عليه السلام. إحداهما هي أم وهب والدة وهب بن عبدالله الكلبي، والأخرى هي أم وهب زوجة عبدالله بن عمير الكلبي. ولكننا في هذه المقالة، سنذكر حكاية أم وهب والدة وهب بن عبدالله بن جناب الكلبي النصراني.
 

أم وهب والدة وهب بن عبدالله الكلبي

 أم وهب هي والدة وهب بن عبدالله الكلبي، التي كانت هي وإبنها نصرانيين وأسلما على يد سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وأقبلا مع زوجة وهب بن عبدالله الكلبي إلى كربلاء وكانوا جميعا مع الإمام الحسين عليه السلام. وكان وهب جميلاً جداً وحديث عهد بالإسلام وحديث بالزواج، حتى قالوا إنه قد مضى من زواجه سبعة عشر يوما حين دعاهم الإمام الحسين عليه السلام لنصرته (1). وقال الخوارزمي: « أن وهب بن عبد اللّه هذا، كان نصرانيا، فأسلم هو و أمه على يد الحسين عليه السّلام» (2)، وحين صار يوم عاشوراء ووصلت النوبة إلى وهب بن عبدالله الكلبي، يروي أصحاب التاريخ:« قال: ثم خرج وهب بن عبد اللّه بن جناب الكلبي، و قد كانت معه أمه يومئذ، فقالت له أمه: قم يا بني فانصر ابن بنت نبيك محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم! فقال: أفعل ذلك يا أماه و لا أقصر إن شاء اللّه تعالى. ثم خرج إلى القوم و هو يقول:
إِنْ تُنْكِرُونِي فَأَنَا ابْنُ الْكَلْبِ‌        
سَوْفَ تَرَوْنِي وَ تَرَوْنَ ضَرْبِي‌
وَ حَمْلَتِي وَ صَوْلَتِي فِي الْحَرْبِ‌
أُدْرِكُ ثَارِي بَعْدَ ثَارِي صَحْبِي‌
وَ أَدْفَعُ الْكَرْبَ أَمَامَ الْكَرْبِ‌
لَيْسَ جِهَادِي فِي الْوَغَى بِاللَّعْبِ‌

ثم حمل و لم يزل يقتل حتى قتل منهم جماعة، و رجع إلى أمه و امرأته و قال: أرضيت أم لا؟ فقالت أمه: لا ما رضيت حتى تقتل بين يدي مولاك الحسين عليه السلام. قال: فقالت له المرأة: أسألك باللّه أن لا تفجعني في نفسك. فقالت له أمه: لا تقبل قولها و ارجع إلى مكانك و قاتل بين يدي مولاك و ابن بنت نبيك محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليكون غدا في القيامة ممن يشفع لك عند ربك. فقام وهب بن عبد اللّه و هو يقول:
إِنِّي زَعِيمٌ لَكَ أُمَّ وَهْبٍ‌    
بِالطَّعْنِ فِيهِمْ تَارَةً وَ الضَّرْبِ‌
ضَرْبَ غُلَامٍ مُوقِنٍ بِالرَّبِ‌        
حَتَّى يَذُوقَ الْقَوْمُ مَرَّ الْحَرْبِ‌
إِنِّي امْرُؤٌ ذُو مِرَّةٍ وَ غَضْبٍ‌
حَسْبِي إِلَهِي مِنْ عَلِيمٍ حَسْبِي‌
» (3) 
لكن حدثت واقعة عجيبة في الميدان وهي أن حالة زوجة وهب بن عبدالله انقلبت: « فأخذت امرأته عمودا فأقبلت نحوه و هي تقول فداك أبي و أمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأقبل كي‏ يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه و قالت لن أعود دون أن أموت معك. فقال الحسين عليه السلام: جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت إليهن» (4). وقاتل وهب بن عبدالله قتال الأبطال وبعد ذلك: « حمل ولم يزل يقاتل حتى قطعت يمينه، ثم قاتل حتى قطعت شماله. و أنّه قتل في المبارزة أربعة و عشرين رجلا، و اثني عشر فارسا، فاخذ أسيرا، و اتي به عمر بن سعد. فقال له: ما أشد صولتك! ثم أمر فضرب عنقه، و رمي برأسه إلى عسكر الحسين عليه السلام. فأخذت أمه الرأس فقبّلته، ثم شدّت بعمود الفسطاط‍‌، فقتلت به رجلين . فقال لها الإمام الحسين عليه السلام: «ارجعي أمّ‌ وهب! فإنّ‌ الجهاد مرفوع عن النساء». فرجعت، و هي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الإمام الحسين عليه السلام: «لا يقطع اللّه رجاك، يا أمّ‌ وهب!، أنت وولدك مع رسول اللّه و ذريته في الجنّة» (5). 
 

العبر المستفادة من أم وهب بن عبدالله الكلبي

1) التضحية والفداء بالعائلة

إن الأولاد أكبادنا وكل شخص يحب أولاده إلى درجة التضحية بنفسه للحفاظ عليهم. ومع ذلك، نرى أن أم وهب تضحي بولدها بشهامة وشجاعة لا مثيل لهما. فتقول لولدها: « قم يا بني فانصر ابن بنت نبيك محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم!» (6)، وعندما يرجع وهب في وسط الحرب إلى والدته ويسألها عن رضاها، تقول له: «لا ما رضيت حتى تقتل بين يدي مولاك الحسين عليه السلام» (7). فهذا هو المعنى الحقيقي للتضحية، حيث تضحي أم وهب بولدها لأجل إمامها الإمام الحسين عليه السلام.

2) الاستقامة في طريق الحق

إن أم وهب هي الأسوة لنا في الاستقامة على طريق الحق. فرغم أنها كانت حديثة عهد بالإسلام ولم تكن تعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أمير المؤمنين عليه السلام ولا فاطمة الزهراء سلام الله عليها بشكل عميق، إلا أنها أدركت أن دين الإسلام هو الدين الأمثل، وأن الإمام الحسين عليه السلام هو الإمام المنصوب من قبل الله سبحانه وتعالى وأنه على الحق. لهذا أسلموا ولحقوا بالإمام الحسين عليه السلام، وهذا هو السبب الأساسي في استقامتها على طريق الحق حتى بعد استشهاد ولدها. فعندما رمى الأعداء برأس وهب بن عبدالله إليها، لم تجزع ولم تسب أحداً، بل قامت ودافعت عن مولانا الإمام الحسين عليه السلام. وهذا الموقف دفع الإمام الحسين عليه السلام للدعاء لها، فقال عليه السلام في حقها: « لا يقطع اللّه رجاك، يا أمّ‌ وهب!، أنت وولدك مع رسول اللّه و ذريته في الجنّة» (8).

3) الممناعة من خروج ولدها عن الحق

إن إيمان أم وهب واستقامتها على طريق الحق كانت بمرتبة جعلتها تمنع ولدها من الخروج عن طريق الحق. فإن وهب كان قد تزوج منذ بضعة أيام. وعندما رجع في أواسط الحرب وتكلم مع والدته وأراد العودة إلى الميدان والمبارزة والاستشهاد، قالت زوجته له:« أسألك باللّه أن لا تفجعني في نفسك فحينها أجابت أم وهب كلبوة شجاعة ومنعته من الامتناع عن القتال والاستشهاد في سبيل الإمام الحسين عليه السلام لأجل كلام زوجته، وقالت له: « لا تقبل قولها و ارجع إلى مكانك و قاتل بين يدي مولاك و ابن بنت نبيك محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليكون غدا في القيامة ممن يشفع لك عند ربك.» (9) فهي تذكّر ولدها بالسبب الأساسي الذي دفعهم للالتحاق بالركب الحسيني عليه السلام، وهو أن الإمام الحسين عليه السلام هو الحق المبين والصراط المستقيم. وأن من يكون مع الإمام الحسين عليه السلام في الدنيا، يحظى بشفاعة جده محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة. 

4) ارشاد العروس إلى الرشاد والهداية

إن استقامة أم وهب وصلت إلى درجة أوجبت أن ترشد زوجة وهب إلى الرشاد، رغم أنها كانت في البداية ترغب في عدم محاربة وهب وعدم قتله في رمضاء كربلاء. ولكن بعد أن سمعت كلام أم وهب وعقيدتها واستقامتها على هذه العقيدة، وأيضاً شهدت غربة الإمام الحسين عليه السلام، اهتدت بإذن الله تبارك وتعالى إلى درجة أنها أصبحت ترغب في الاستشهاد مع زوجها في رمضاء كربلاء. كما ورد: « فأخذت امرأته عمودا فأقبلت نحوه و هي تقول فداك أبي و أمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأقبل كي‏ يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه و قالت لن أعود دون أن أموت معك.» فحينها يدعوا الإمام الحسين عليه السلام لها وتقول لها:« جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله» (10) 
هذه كانت حكاية أم وهب وولدها وهب بن عبدالله الكلبي ونصرتهما للإمام الحسين عليه السلام. أرجوا أنكم قد استفدتم من هذه المقالة.
إن أرض كربلاء شهدت ملاحم عظيمة في يوم عاشوراء في سنة 61 للهجرة، ومن بين تلك الملاحم، كانت النساء اللاتي شاركن في هذه الملحمة العظيمة، وضحّين بأولادهن وأزواجهن وعائلاتهن في رحاب الإمام الحسين عليه السلام. وفي وصف هذه النساء المؤمنات، يقول الله عزّ وجل: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‎﴿٧١﴾‏ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‎﴿٧٢﴾ (11) 
 

1) روضة الشهداء (لحسين بن علي الكاشفي) / المجلد: 1 / الصفحة: 362 / الناشر: مؤسسة نويد اسلام – طهران / الطبعة: 1.
2) مقتل الحسين عليه السلام (للخوارزمي) / المجلد: 2 / الصفحة: 16 / الناشر: انتشارات أنوار الهدى – قم / الطبعة: 5.
3) كتاب الفتوح (لإبن أعثم الكوفي) / المجلد: 5 / الصفحة: 104 / الناشر: دار الأضواء – بيروت / الطبعة: 1.
4) الملهوف على قتلى الطفوف (لسيد بن طاووس) / المجلد: 1 / الصفحة: 106 / الناشر: نشر بين الملل – قم / الطبعة: 2.
5) مقتل الحسين عليه السلام (للخوارزمي) / المجلد: 2 / الصفحة: 16 / الناشر: انتشارات أنوار الهدى – قم / الطبعة: 5.
6) كتاب الفتوح (لإبن أعثم الكوفي) / المجلد: 5 / الصفحة: 104 / الناشر: دار الأضواء – بيروت / الطبعة: 1.
7) كتاب الفتوح (لإبن أعثم الكوفي) / المجلد: 5 / الصفحة: 104 / الناشر: دار الأضواء – بيروت / الطبعة: 1.
8) مقتل الحسين عليه السلام (للخوارزمي) / المجلد: 2 / الصفحة: 16 / الناشر: انتشارات أنوار الهدى – قم / الطبعة: 5.
9) كتاب الفتوح (لإبن أعثم الكوفي) / المجلد: 5 / الصفحة: 104 / الناشر: دار الأضواء – بيروت / الطبعة: 1.
10) الملهوف على قتلى الطفوف (لسيد بن طاووس) / المجلد: 1 / الصفحة: 106 / الناشر: نشر بين الملل – قم / الطبعة: 2.
11) سورة التوبة / الآية: 71 و 72.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة