تمكين الشباب يبدأ من الأسرة: بناء جيل قادر على مواجهة تحديات الحياة
قد تنظرين إلى مرحلة الشباب بوصفها مرحلةً يحدّد فيها الأبناء مستقبلهم بأنفسهم، لكنّ بناء الشاب القادر على مواجهة الحياة يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ من الأسرة، ومن مقدار ما تمنحه من ثقة وتشجيع وأمان، ومن الفرص التي تتيحها له ليتعلّم ويتحمّل المسؤولية ويكتشف قدراته. وفي ظلّ البطالة وتفاوت الفرص والضغوط الاجتماعية وتحديات الهوية، تحتاج الأسرة إلى فهم أعمق لدورها في مساعدة أبنائها على تجاوز هذه الصعوبات. فتمكين الشباب لا يعني توفير العمل والتعليم فحسب، بل يعني أيضًا إعدادهم ليكونوا أكثر استقلالًا وثقة وقدرة على المشاركة الإيجابية في المجتمع.
ماذا يعني تمكين الشباب؟ ودور الأسرة في بنائه
تمكين الشباب هو عملية تهدف إلى تعزيز قدراتهم ومهاراتهم وإمكاناتهم، بما يساعدهم على مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع. ولا يتحقق هذا التمكين بمجرد منح الشاب بعض الصلاحيات، بل يحتاج إلى توفير بيئة تساعده على اكتساب المعرفة والخبرة، وتنمية شخصيته، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات المناسبة.
وتؤدي الأسرة دورًا أساسيًا في هذه العملية؛ فالثقة بقدرات الأبناء، والاستماع إلى آرائهم، وتشجيعهم على التعلم والعمل، ومنحهم مساحة مناسبة لتحمل المسؤوليات، كلها أمور تساعدهم على بناء شخصية أكثر استقلالًا وقدرة على التعامل مع صعوبات الحياة.
تمكين الشباب في ضوء القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام
اهتمّ الإسلام بالشباب اهتمامًا واضحًا، ونظر إليهم بوصفهم طاقة قادرة على حمل المسؤولية وصناعة التغيير. ويعرض القرآن الكريم نموذجًا لشباب امتلكوا الإيمان والشجاعة في مواجهة ظروف صعبة، فقال تعالى:
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ... نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ (1)
ولم يكن اهتمام أهل البيت عليهم السلام بالشباب أقل وضوحًا. فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، في حديثه مع أبي جعفر الأحول، قال:
« أَتَيْتَ الْبَصْرَةَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ:كَيْفَ رَأَيْتَ مُسَارَعَةَ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ وَدُخُولَهُمْ فِيهِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَقَلِيلٌ وَلَقَدْ فَعَلُوا وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَلِيلٌ. فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْأَحْدَاثِ فَإِنَّهُمْ أَسْرَعُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ» (2).
وهذا التوجيه يلفت إلى أهمية الاستفادة من مرحلة الشباب، بما فيها من استعداد للتعلم والتغيير والإقبال على الخير، وعدم التعامل مع الشباب بوصفهم مجرد فئة تحتاج إلى التوجيه، بل بوصفهم طاقة يمكن أن يكون لها أثر فاعل في الأسرة والمجتمع.
كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
« اُوصيكُمْ بِالشُّبّانِ خَيْرا فَإنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، إِنَّ اللّه َبَعَثَـنى بَشـيرا وَنـَذيـرا فَحالَفَنِى الشُّبّانُ وَخالَفَنِى الشُّيُوخُ. ثُمَّ قَرَاَ ﴿ فَطالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ فَقَسَتْ قُلوبُهُمْ ﴾» (3).
وهذه النصوص تبيّن أهمية الالتفات إلى مرحلة الشباب، وعدم التعامل معها بوصفها مرحلة عابرة فحسب، بل مرحلة يمكن فيها بناء الإيمان، وتنمية القدرات، وتحمل المسؤولية، والاستعداد لخدمة الأسرة والمجتمع.
شباب يواجهون ظروفًا خاصة: كيف يمكن للأسرة والمجتمع دعمهم؟
لا يعيش جميع الشباب الظروف نفسها؛ فقد يواجه بعضهم البطالة، أو صعوبة إكمال الدراسة، أو ضغوطًا أسرية، أو مشكلات اجتماعية واقتصادية، أو شعورًا بالعجز عن تحقيق ما يطمح إليه. ولذلك يحتاج تمكين الشباب إلى مراعاة اختلاف ظروفهم وقدراتهم.
وفي هذه المرحلة، لا يحتاج الشاب إلى النقد المستمر أو المقارنة بغيره بقدر حاجته إلى من يساعده على اكتشاف إمكاناته، ويمنحه الثقة، ويشجعه على الاستفادة من الفرص المتاحة. ويمكن للأسرة أن تكون مساحة آمنة يتعلم فيها الشاب من أخطائه، ويعيد ترتيب أهدافه، ويكتسب الخبرة التي تساعده على مواجهة الواقع.
كما أن المجتمع يتحمل مسؤولية توفير الفرص المناسبة للتعليم والتدريب والعمل والمشاركة، بما يتيح للشباب تحويل قدراتهم إلى طاقات نافعة لأنفسهم وللآخرين.
العمل والاستقلال الاقتصادي: خطوة نحو بناء شاب مسؤول
يُعدّ العمل والاستقلال الاقتصادي من أهم عناصر تمكين الشباب؛ لأن القدرة على الكسب وتحمل المسؤوليات المالية تساعد الشاب على بناء شخصيته والشعور بقيمته ودوره في الحياة.
ولا يقتصر دور الأسرة في هذا المجال على توفير المال للأبناء، بل يمكن أن تساعدهم على اكتساب مهارات العمل، وتشجيعهم على المبادرة، واحترام المهن المختلفة، وتعليمهم إدارة المال وتحمل المسؤوليات تدريجيًا.
فالاستقلال لا يعني الانفصال عن الأسرة أو الاستغناء عنها، وإنما يعني أن يمتلك الشاب من القدرات والخبرات ما يساعده على تحمل مسؤولياته واتخاذ قراراته بصورة أكثر نضجًا.
وقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهمية التعلم في مرحلة الشباب، وجاء عنه:
«مَنْ تَعَلَّمَ فِي شَبَابِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَشْمِ فِي الْحَجَرِ وَمَنْ تَعَلَّمَ وَهُوَ كَبِيرٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ» (4).
ومن هنا، فإن دعم الأسرة لتعليم أبنائها وتطوير مهاراتهم منذ الصغر يمكن أن يكون أساسًا مهمًا لقدرتهم على العمل والاستقلال مستقبلًا.
الأسرة أول طريق لتمكين الأبناء
تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان الثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، والتعاون، واتخاذ القرار. ولهذا فإن تمكين الشباب لا يبدأ عند وصولهم إلى سن العمل، بل يبدأ منذ الطفولة والمراحل الأولى من التربية.
ويمكن للأسرة أن تسهم في ذلك من خلال إشراك الأبناء في بعض المسؤوليات المناسبة لأعمارهم، والاستماع إلى آرائهم، وتشجيعهم على التعلم، ومساعدتهم على التعامل مع الفشل دون فقدان الثقة بأنفسهم.
كما يحتاج الشاب إلى الشعور بأن أسرته ترى فيه شخصًا قادرًا على العطاء، لا مجرد فرد يحتاج إلى الرعاية الدائمة. فالثقة التي تمنحها الأسرة لأبنائها يمكن أن تتحول إلى دافع يدفعهم إلى تحمل المسؤولية والمبادرة وخدمة الآخرين.
أما المجتمع، فيكمل هذا الدور من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية والاقتصادية، التي يمكنها توفير المجالات التي تساعد الشباب على تطوير قدراتهم والمشاركة في الحياة العامة.
من الشفقة إلى الثقة: كيف ننظر إلى قدرات أبنائنا؟
قد يكون من السهل على الأسرة أن تنظر إلى الشاب باعتباره شخصًا يحتاج دائمًا إلى الحماية والتوجيه، لكن مرحلة الشباب تحتاج أيضًا إلى مساحة من الثقة والمسؤولية. فالإفراط في الحماية قد يحرم الشاب من فرص مهمة لتعلم الاعتماد على النفس، بينما تساعده المسؤوليات المناسبة على اكتساب الخبرة والنضج.
ولا يعني منح الشباب الثقة تركهم دون توجيه، بل يعني مرافقتهم وهم يتعلمون، وإرشادهم عندما يحتاجون إلى النصيحة، وترك مساحة لهم للتجربة وتحمل نتائج قراراتهم ضمن حدود مناسبة.
إن تمكين الشباب يبدأ حين نرى فيهم طاقات قابلة للنمو، ونمنحهم الفرصة ليحوّلوا هذه الطاقات إلى علم وعمل ومسؤولية. وعندما تتعاون الأسرة والمجتمع في هذا المسار، يصبح الشاب أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، والمشاركة في بناء أسرته ومجتمعه، وتحمل دوره بصورة واعية ومسؤولة.
1. سورة الكهف / الآية: 10 و 13.
2. الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 8 / الصفحة: 93 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
3. سفينة البحار (للشيخ عباس القمي) / المجلد: 2 / الصفحة: 176 / الناشر: دار الأسوة – قم / الطبعة: 1.
4. النوادر (للسيد فضل الله الراوندي) / المجلد: 1 / الصفحة: 18 / الناشر: دار الكتاب – قم / الطبعة: 1.







